إجتماعي بحر في الضفة الغربية

بحر في الضفة الغربية

-

- Advertisment -

لنبدأ حكايتنا القصيرة بمشوار في السيارة إلى بلدة مجاورة مع أحد أقاربي. صدَف أن كان لدينا ما يكفي من المال، كما ظننت، لشراء زجاجتي نبيذ كنت قد قدّرت سعرهما من أربعين إلى خمسين شيكل، وتفاجأت عندما قال لي الكاشير أن سعر الواحدة خمسة وثلاثون شيكل وأخرى ما يقارب الثلاثين. اشترينا الزجاجتين، بعد ’المفاصلة‘، بشيء وخمسون شيكل لأن الكاشير رأفَ بنا ولأن الصفقة مربحة على أي حال.
اتجهنا نحو قريتنا، كنتُ أقود أنا، وسرتُ بالسيارة إلى "البحر"، وهو بالتأكيد ليس بحرا بل منطقة على أعلى جبل في القرية يمكن منه رؤية الساحل المحظور. كانت آخر مرة ذهبتُ فيها إلى ساحل تل أبيب، وهي أيضا أول مرة، قبل ثلاث سنوات أثناء تسهيلات رمضان وفي آخر يوم قبل انتهاء مدة سريان التصريح مع كتلة من الشبان الأقارب والأصدقاء وأمضينا اليوم كله بين الحادي عشرة وصباحا والواحدة ليلا على الشاطئ. حاولت من هناك أن أرى "البحر" الذي في قريتنا بما أن الساحل هنا يمكن رؤيته من هناك لكن لم تفلح النظرية. أما منذ ذلك اليوم، في الكثير من الليالي الطويلة التي تصاحب العاطل عن العمل، أجلس على البحر وأراقب أضواء العالم الجديد أثناء الحديث مع من برفقتي عن التفاصيل التي لا تنتهي للمواضيع التي لا تتغير.
يقع البحر في قريتي داخل بوابة لحي إسكانيّ يسمى إسكان الفنانين، تم إنشائه سنة 1996، يسكنه ممثلون ورسامون ومستأجرون من خارج القرية ومن داخلها بالإضافة إلى عائلات عادية. يتكون الحي من شارع واحد طويل منحدر تتفرع منه دخلات صغيرة إلى الفيلات على يمين هذا الشارع الجميل النظيف المزين بأشجار مختلفة النوع وصفّ من السرو أو الصنوبر على امتداده. كان هذا الجبل قبل إنشاء الإسكان أرضا زراعية مليئة بالزيتون كساري جبال المنطقة، لكني لم أرَ ذاك المشهد في زمني بل سمعتُ عنه، أما ما تربيت معه هو هذا الإسكان الذي أحببت مظهره وشعرت، في الماضي، بأنه خروجا عن المظاهر النموذجية البائسة للبناءات في الريف وأنه يمثّل شيئا من التحضّر. 
ركنتُ السيارة بعد البوابة وبقينا فيها لأن الطقس لم يكن صيفيا بامتياز، كما هو الحال في آخر بضع سنوات. شغّلت الراديو على قناة 88 الإسرائيلية، فالأغاني التي تبَث على تلك القناة غالبا ما تكون مناسبة لأجواء هادئة، ومن مختلف الثقافات واللغات، وفي كل مرة يتحدث فيها المذيع بالعبرية أقلب الراديو إلى قناة أخرى حتى ينتهي. بالتأكيد لم أكن لأستمع لإحدى الإذاعات المحلية، كأنما الإذاعة الإسرائيلية ليست محلية، لأنها تفوق قدرتي على تحمّل الضوضاء.
بعد مرور ما يقارب الساعة، وبعد زجاجتين فارغتين، تراءت أمامي على غفلة هيئة شخص يسير باتجاهنا، بينما كان قريبي يجلس في الخارج على صخرة كبيرة. ما إن وصل إلينا حتى سأل ببلاغية إن كان لدينا عملا هنا. سأله قريبي إن كنّا قد أزعجناه بشيء، فأجاب بأن هذه ملكية خاصة ولا يحق لنا التواجد فيها. تذكرتُ على إثر تلك الجملة الدنمارك، التي قال لي أحد مرة أن فيها جزُر وبحيرات كاملة تحت ملكية خاصة. لم أقل شيء، ففي مواقف المواجهة تتلعثم دائما كلماتي ولا أجيد سوى استخدام لغة الجسد، فأجابه قريبي بأننا دائما ما نجلس هنا ولسنا نزعج أحد، ولم يسبق أن احتج أحد على قعدتنا هنا. سألَنا الشخص "أبناء من أنتم؟" فكانت الإجابة بأن هذا ليس من شأنه. قال بأنه دائما ما ينظف هذا الشارع من نفايات يرميها الناس، إلا أنني لم يسبق أن رأيته في حياتي، وأضاف أنه إن وجدناه في يومٍ يجلس أمام أحد منازلنا فيحق لنا عندها التواجد أمام منزله، الذي لم يكن في الواقع قريب من مكان مجلسنا، كما لو أن هنالك دافعا قد يقوده يوما ليجلس أمام أحد منازلنا. كرر ما قاله بشأن الملكية الخاصة، وختم بقوله "توكلوا على الله".
كنت أنتظر اللحظة التي يستخدم فيها قريبي هذا، المعروف بوحشيته منذ الصغر، لغة الجسد مع هذا الشخص لأن هذه هي الطريقة المثلى دائما في اختصار عقبات الحياة. تفاجأت حين قام عن الصخرة ودخل السيارة مومئا بأنه من الأفضل الرحيل، ووضح لي لاحقا بأن ليس لنا حق فعلا بالتواجد هناك. شغلت السيارة ولففتها، لكن لم أرحل قبل أن أطلق على ذلك الشخص شتيمة لم أستطع ولم أرد كتمها.
هنا تنتهي القصة. فكرت كثيرا بما حدث ذلك اليوم، وتعجبت من أن أحدا فعلا قام بطردي من البحر، هذا المكان الذي تربطني فيه ذكريات كثيرة وليست قديمة، والذي يمثّل لي حالة عقلية معينة قد اكتشفتها أثناء تسكعي الطويل في أرجاء القرية. كانت أول مرة يأمرني أحد فيها بالخروج من ملكية خاصة دون ارتكاب سوء.
قبل اثني عشرة عاما قام أهالي القرية بالهجوم على الإسكان بسبب إقامة حفلة. فقط، بسبب إقامة حفلة في إحدى المنازل. لم تُقام أية حفلة بعد تلك، بل وخلا الإسكان من أي صوت أو حدث من ذلك اليوم، وليس هنالك أي سوابق لأي احتكاك بين أهالي القرية وسكان الحيّ. يحدث بعد اثني عشرة عاما أن تكون اليد الأقوى يد هذا الشخص الجديد الذي يعمل أباه في إحدى الأجهزة الأمنية. تلاشى أمامي مفهوم الرجولة، الذي لم يكن أبدا واضحا أصلا كباقي المفاهيم الاجتماعية في القرية، ومع مرور الوقت لم يعد أحد من ’الرجال‘ – بمعنى الكلمة ودلالتها في السياق الاجتماعي – يجلس على البحر، وصارت العادة أن يركنوا الشبان سياراتهم ويجلسوا على شارع تحت الحيّ الإسكاني، خارج الملكية الخاصة. وأنا لم يكن بحوزتي في هذه المواجهة غير شتيمة. 

 

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك