سياسي عن العنف الاضطهادي: نقاش وتصوّرات وسُبل تعامل مقترحة

عن العنف الاضطهادي: نقاش وتصوّرات وسُبل تعامل مقترحة

-

- Advertisment -

تزداد في السنوات الأخيرة المبادرات والمشاريع الاجتماعيّة والتربويّة المهتمة بموضوع "العنف والقتل" في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948. ففي حين تطرح أجسام حكوميّة ومؤسَّسات المجتمع المدنيّ بين الفينة والأخرى، مشاريعَ تهدف لوقف ظاهرة القتل في الداخل الفلسطينيّ، قد تترافق هذه مع مقارناتٍ بين معطياتٍ في الدول الأوروبيَّة أو في مجتمعات أخرى وبين المعطياتِ في الدول العربية ولدى المجتمع الفلسطيني في الداخل. وتتنوّع آليات المعالجة بين "تسليط الضوء" على ظاهرة العنف في وسائل الإعلام المختلفة، وبين تخصيص حصص في المدراس للحديث عن أشكال العنف (باستثناء عنف المنظومة والاستعمار) وللتشديد على وجوب التوقُّف عن ممارستها.

يحاول المقال التالي أن يناقش لماذا لم تنجح، وغالباً لن تنجح، مشاريعُ كهذه، خائضاً باقتضابٍ في العوامل المؤدّية، ومُقترِحاً سُبلًا مُغايرة لفهم موضوعة العنف وللانطلاق في التعامُل معها.

لنتبيّن أولاً من العوامل المشتركة بين هذه المبادرات (المذكورة أعلاه)، والتي أراها تتلخص في عاملين أساسيين ومرتبطين:

العامل الأول: إنَّ طروحات هذه المبادرات تتميّز بكونها وَصْفيّة لمعطيات الظرف الحالي "والعنيف" للمجتمع الفلسطيني، أي بانشغالها بوصف الظاهرة حالياً كظاهرة اجتماعيّة، منتزعةً السياق التاريخي والسياسي- المجتمعي لهذا المجتمع ولتطوّر هذا العنف. وهي أطروحة كان قد قدّمها فرانز فانون[1]، على أنَّه أمرٌ لطالما ميّز حكومات ودول الاستعمار؛ أن تكرِّس الانشغال في وصف الوضع الحالي للشعوب المُستعمَرة والذي يتّسم "بالجهل" و"بالتخلُّفِ" و"بالعنف"، مُنصرِفةً عن النظر للسياق التاريخي والسياسي الذي قد أعطب مسار تكوين هذه الشعوب ولم يدعها تُمارس نُموّها الطبيعيّ والصحيّ. إنَّ الاستعمار بصوره المختلفة وتبعاً لقوّته وسيطرته يستطيع فرض هذا الانطباع عن الشعوب الواقِعة تحت الاستعمار، والذي يصبح اعتقاداً تتبنّاه هي بدورها لاحقاً.

أمّا العامل الثاني: يتلخص بكون هذه الطروحات والمشاريع خاضعة لتوجُّه المركزيَّة الأوروبيَّة[2]– أي نابعة من مُنطلقات ورؤية غربيَّة أوروبيَّة أو من القسم الشمالي للكرة الأرضيَّة. إنَّ فكرة المركزيَّة الأوروبيَّة هذه تتلخّص في سطوة أوروبا على صياغة المعارف والعلوم المتنوّعة، وذلك تبعاً للقوّة والنّفوذ اللذان تملكهما، لتتحدّد هي كمعيارٍ لقياس الأمور فيُكال بمكيالها وينُظر للشؤون الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والعلمية للمناطق الأخرى في العالم، بمنظورها ومقارنةً بها.
وفي الواقع، وبحكم سياق قيامها، ترى دولة الاستعمار الصهيونيّ نفسها كدولة أوروبيَّة، ولتكريس شرعيَّة وجودها تسعى لخلق "أسلوب حياة" ونظام اجتماعيّ شبيهين بتلك الأوروبيَّة، وبالتالي تشارك في عدّة منظَّمات وبرامج أوروبيَّة، تُشترط المشاركة فيها قيامها بتطبيق لمشاريع تصيغها المنظمات الأوربيَّة أو بنسخها في الداخل الفلسطيني المُحتَل عام 1948 من خلال جهاز التعليم والمشاريع اللامنهجيَّة التي يتم تفعيلها في المراكز الجماهيريَّة في القرى والمدن الفلسطينيَّة المختلفة.
أما حين تكون المبادرة الهادفة لمناهضة العنف صادرة من مؤسسة مجتمع مدنيّ، فيكون التمويل غالباً من مشاريع تابعة لحكومة الاستعمار الصهيوني أو من دول أوروبيَّة وتطلب أن يتم تنفيذ برامج "مناهضة العنف" هذه بحسب رؤيتها كاشتراطٍ للتمويل.

إن المنطلقين السابقين يُسيئان حتماً لعمليتي الفهم وبالتالي التعامل مع واقع العنف الذي نعيشه كفلسطينيين عامةً وفي الأراضي المحتَلة عام 1948 على وجه الخصوص[3]، لذلك وجب علينا وضع نقاطنا الخاصة للانطلاق، والتي تنظر إلى واقعنا من خلال إطارٍ مغايرٍ- وأحاول في ما يلي النظر إلى الواقع من إطار علم النفس المجتمعيّ:

أولًا: إنَّ العدائيَّة بوجهها العام أمر هام للنموّ البشري، فهي آلية اتبتعها البشرية في تاريخها التطوّري لمواجهة الأخطار ولتفاديها وللنجاة ولتطوير أساليب النجاة. كما إنَّها آلية تلقائيَّة يتبعها الأفراد والمجموعات فيتنافسون فيما بينهم لتحقيق نموّهم ونهوضهم. ووجب التفريق بين أنماط العدائيَّة والعنف البناءَة والتي تهدف للنّمو، وبين تلك الهدّامة التي تهدف إلى الخراب.

ثانيًا: يُمكننا النظر إلى العنف الذي نتعامل معه في المجتمع الفلسطيني- أي العنف الداخلي بين أبناء  الشعب الواحد، على أنَّه يندرج تحت خانة ما أتطرق اليه تحت مسمى "العنف الاضطهاديّ"، والقصد بذلك بحسب ما يطرح أخصائيون في علم النفس وعلم النفس المجتمي والنقديّ أنَّ العنف بمعنى الاقتتال كظاهرة مجتمعيَّة لدى الشعوب المُضطَهَدة أو "المقهورة"[4]، يختلف في تركيبته عن العنف الذي قد يتم عزوه إلى أسباب شخصية وفرديّة للعدوانيّة والعنف في دول ومناطق أخرى في العالم.
يصف الأخصائي النفسي مصطفى حجازي، أحد أهم المنظرين في هذا المجال، من خلال طرحه باختصارٍ، بأنَّ ابتلاع القهر والعنف مع غياب القدرة على التأثير في الواقع أو صُنعه أو العجز عن ردّ هذا القهر، كُلّها تولّد اكتئاباً وانكفاءً بانتظار مُخلِّصٍ واحدٍ يأتي بالمعجزة وينهي هذين القهر والعجز الكبيرين.
خلال هذه التجربة الممتدّة من القهر تتشكّل ذوات هذه الشعوب المقهورة وتتشكَّل لها في وجه العموم- أي على صعيد المجتمعات- خصائص نفسيَّة معيَّنة بحُكم نموّها في ظروف علاقة القهر هذه مع الاستعمار.
ويلخّص حجازي الخصائص النفسيَّة للشعوب المقهورة بثلاث مراحل رئيسيَّة: المرحلة الأولى التي تتميّز بتبنّي "القهر والرضوخ"، والمرحلة الثانية هي مرحلة "الاضطهاد"، أما الثالثة فقد أسماها مرحلة "التمرُّد والمجابهة".
وبحسب تحليل حجازي، يمكننا التنبُّه إلى أنَّ ملامح المجتمع الفلسطيني تتّجه خلال السنوات العشر الأخيرة لتكون ضمن ما أسمهاه مرحلة الاضطهاد، وهي بوصفها مرحلة تكون فيها "الحالة النفسيَّة للإنسان قد بلغت درجة عالية من التوتر الانفعاليّ والوجودي العام. يدخل في مرحلة من الغليان الداخليّ للعدوانيّة التي كانت مقموعة بشدّة"، والتي بحسبه تمّ توجيهها سابقاً إلى الذات الفرديَّة لخجلها وعارها من ظرفها. ويضيف أنَّ "فشل تحقيق الذات… يولّد أشدّ مشاعر الذنب إيلاماً للنفس وأقلها قابلية للكبت والإنكار… وتصل هذه العدوانيَّة إلى حدّ لا بدّ لها من تصريف يتجاوز الارتداد إلى الذات وتحطيمها كي يصل حد الإسقاط على الآخرين." (حجازي، 1985، ص 52)

وبحسب حجازي "إنّ لُبّ الشعور الاضطهادي هو التفتيش عن مُخطئ يحمل وزر العدوانيَّة المتراكمة داخلياً" (حجازي، 1985، ص 53)، وفي هذه المرحلة تٌوجَّه مشاعر الذنب والتبخيس إلى آخرٍ ليس هو المتسلّط الحقيقيّ، بل آخر مقهورٍ مثلنا أو الأكثر قهراً منّا (ويمكننا هُنا التنبُه للفئات التي يُمارَس عليها وزر التبخيس في العنف الاضهاديّ بصورة عُظمى، كقتل النساء وكتعنيف الأطفال).

 

الأسباب وسُبل التعامل:
يكمن طرح الأسباب وسُبل التعامل في محور واحد لأنَّ معرفة الأسباب والوعي لتركيبها، يساهم بشكل جدّي في صياغة الحلول الملائمة، ذلك بحسب ما يقترحه مارك بورتون في صياغة التدخُّلات النقدية من منظور علم النفس التحرُّري (Burton, 2012).[5]

يطرح حجازي وجود علاقة وثيقة بين سياسة التعليم المُتَّبعة لدى الشعوب المقهورة وبين تخلّف الذهنيَّة- أي الذهنيَّة التي تبنّت القهر والتي نمّت خصائص ذهنيَّة تتسم بها الشعوب المقهورة. ويدّعي في هذا السياق: "تكمن العِلّة… في نوعية التعليم ومدى تأثيره على تغيير الذهنيّة. فيبدو أنَّ التعليم لم يُكامَل في الشخصيَّة، بل ظلَّ في الكثير من الأحوال قشرة خارجيَّة تنهار عند الأزمات"، ويضيف واصفاً: "هنالك إذاً نوع من الازدواجيَّة في شخصيَّة الإنسان المتخلِّف، بين دور التعليم ودور الإنسان المُمارَس حياتياً." (حجازي، 1985، ص 78)

وهذه العلاقة الوثيقة بين سياسة التعليم والذهنيَّة المقهورة غير القادرة على النهوض، هي علاقة كان قد أكّدها باولو فريري أيضاً، من خلال طروحاته المتعدّدة حول ما أسمهاه "تعليم المقهورين"[6] و"تربية بيداغوجيا المقهورين".
وبحسب فيريري يمكننا تسمية النظام التعليمي الذي تتبعه المنظومة التعليميَّة بصيغتها الحالية في الأراضي المحتلة عام 1948 (وعلى كامل التراب الفلسطيني- تحت حكم السلطات الاستعماريَّة الإسرائيليَّة والوظيفيَّة الفلسطينيَّة على حدّ سواء)، اسم "التعليم البنكي". ويقصد به التعليم التلقيني الذي تغيب عنه عملية التعلّم من خلال التَّجريب والخِبرة- أي عيش المعرفة واكتسابها من خلال التجربة، بل يتميَّز بالتلقين. وبحسبه "إنَّ ما يميّز التعليم التلقيني هي لهجته المتعالية وعدم قدرته على التغيير". ويقصد على سبيل المثال:

"4*4= 16، عاصمة كذا هي كذا… وليس من هدف هذا التعليم التلقيني سوى تعويد الطلاب أسلوب التذكُّر الميكانيكي لمحتوى الدرس وتحويلهم إلى آنية [أوانٍ أو أوعية] فارغة يصب فيها المُعلّم الكلمات الجوفاء، ضرباً من الإيداع تحوّل الطلاب فيه إلى بنوك يقوم الاساتذة فيها بدور المودعين [بوعيهم أو دونه]..". (Freire, 1993, Pp 51-52)

يدّعي فريري أنَّ هذه الآلية التخزينيّة من التعليم تحرم عقل الإنسان من الإبداع والتطوير ويتساءَل في كتابه "تعليم المقهورين": "كيف يمكن للإنسان أن يُمارس وجوده الحقّ دون أن يتساءَل ودون أن يعمل؟".
كما ويضيف فريري مجيباً بأنَّ ممارسة الوجود هذه غير ممكنه من خلال الصيغة التلقينيَّة للمنظومة التعليميَّة، لأنَّ المعرفة الحقّة تنبثق من الإبداع الذي هو وليد القلق المُستمر (الانشغال)، والاتصال بالعالم والعمل فيه بالتشارك مع الأقران. 

في حين يدّعي إريد فروم في كتابه "تشريح نزوع الإنسان إلى التدمير"[7] (Fromm, 1973)، عن ضرورة الانتاجيَّة والحيويَّة والتعلّم من خلال التجربة في تركيبة الإنسان حتّى لا يكون عدميَّاً، مما يزيد جنوحه إلى العنف. فيكمل لنا الصورة في هذا الصدد قائلاً:

"في حين أنَّ الحياة تتميَّز بنموّها الوظيفي فإنَّ الإنسان الفاقد لحيويته ينجذب نحو كل الأشياء غير النامية أو الأشياء ذات الطبيعة الميكانيكيَّة، فالإنسان النمطي يرغب في تحويل كل ظاهرة عضويّة إلى ظاهرة غير عضويّة لتصبح الحياة في شكلها الميكانيكي وكأنَّ الأحياء مجرَّد أشياء، فهو يريد للإنسان أن يتميّز بالذاكرة لا بالخبرة وبالامتلاك لا الوجود وهو لا يشعر بما سواه سواء كان زهرة أو انسانًا الا إذا امتلكه… فهو إن لم يمتلك فقد اتصاله بالعالم الذي يعيش فيه، ومثل هذا الانسان النمطي يعشق التحكُّم في غيره ولا يعلم أنه بذلك يقتل نفسه في عملية التسلط هذه."

وبرأيي أنَّ فروم بمقولته هذه، التي لم يكن ممكناً إلّا اقتباسها كاملةً، قد أتاح لنا إمكانيّة النظر في مفاهيم التملُّك والسلطة، حين تنعدم التجربة ويُعزِّز النظام التعليمي بشكلٍ موجِّهٍ ومثله الثقافة الأوروبيَّة- أمريكيَّة فعل الاستهلاك، كالسيطرة على حياة من حوله من بشر وكإقرار قمع إرادته أو رأيه أو حتّى إقرار إنهاء حياته.

وكان الفيسلوف فريدريك نيتشيه (نيتشيه، 1882) [8] قد حذَّر من الاستسلام لغريزة الهدم أو “غريزة الموت” التي تُبقي على وضع الركود والإحباط والاكتئاب. مُشيراً بذلك إلى الضرر والقوة الهدامة التي قد يأتي بهما الركود وانعدام الإنتاجيَّة للنفس البشريَّة حين تعتقد بالسعي الدائم للراحة وعدم بذل مجهود.

في حين قام الباحثان ديسي ورايان [9] (Deci & Ryan, 2002)، بعد أكثر من قرنٍ على طرح نيتشه، بإجراء دراسة نتجت عنها نظريتهما "تحديد الذات". وقامت هذه النظرية بتبيان أهميَّة عوامل الاختيار والقُدرة على التأثير في الظروف، كما وممارسة الارتباط والانتماء لمجموعة؛ كعوامل أساسيَّة في المضيّ بالتطوّر والنمو لتحقيق الذات.

 لإجمال ما سبق، نستطيع أن نقول أنَّنا كفلسطينيين نختبر أصنافاً من القهر والقمع غير المردودة عنّا، بل المُبتلعة والمؤديّة لخلق ذوات عقيمة وبالتالي عنيفة وهدّامة. فتُحجَب عنّا ظروف تحقيق ذواتنا: كالقدرة على السيطرة على ظرفنا وعيش ذاتنا الجمعيّة وممارسة انتمائنا (وبدلاً منها تُقدَّم لنا رموزٌ لا تُشبهنا بل وتتنافى أشدّ التنافي مع إمكانية وجودنا؛ رموز الدولة الصهيونيَّة ومؤسَّساتها مثالًا). كما ويُضاف إليها عامل المنع من اختبار المعرفة والعلم والتأثير بهما أو صنعهما وبدل ذلك يوكل إلينا تذَكُرهما، لنزداد عُقماً وعدميّةً أكثر فأكثر.

أساليب مُقترحة للتعامل:

إنَّ العمل على تطبيق الحلول هو فعلياً مسؤوليَّة المنزعجين من العنف، وبالتالي فإنَّ الجهد والأمد اللذين قد تستغرقهما محاولات تطبيق هذه الحلول التي قد تطول، هي جمعيها فعلياً مسؤولية تقع على عاتق كل منزعج من واقع العنف والقتل في مجتمعنا ويرتجي تغييره. وقد يقلّ عبء هذه المسؤوليَّة إن تم تقسيم المهام وإشراك العدد الأكبر من أبناء المجتمع والشعب، إن أمكن، في المهمات المختلفة وتوظيف المعارف والخبرات المختلفة التي يملكون.

لكن، من المهم أن نحسم أمام أنفسنا أولاً وأبداً بأنَّه لن يُحرّرنا من هذا العنف الاضطهاديّ من يمنعنا من تحقيق ذواتنا إبتداءً. فإنَّ كل ما قد تقدّمه مؤسسات الدولة الاستعماريّة من مشاريع وموارد، مهما كثرت، لن تتعدى وجودها في إطار الوهم، بحكم دورها في منعنا من تحقيق ذواتنا كأفراد وكمجوعة ومن عيش ذاتنا الجمعية. فهي لا تنفك تحاول إنتاج "أنا-وات" (ذوات فرديّة) مُشوَّهة وعقيمة (عديمة الإنتاجيَّة) لا تشبهنا نحن بل لتشبهها ولتتماهى معها.
ولنتّفق إذاً على أنَّ العنف المُبتَلَع حتماً لدى من يُضطهدون ويُقمعون بشكل مُمتدّ، لن يمكن منعه من خلال وضع المزيد من كاميرات المراقبة. فالنفس التي كُرِّست كل الموارد من حولها لجعلها أكثر عدميَّة ويكتمل معناها من خلال الامتلاك لا الإنتاج، والهدم لا البناء، وبالتالي جعلها أكثر تذويتًا للقهر، ستجد حتماً منفذاً اضطهادياً لهذا العنف رغم وجود هذه الكاميرات أو حتى أمامها، كالجرائم التي نشهدها في السنوات الأخيرة.

إنَّ بداية العمل باتجاه التخلِّص من العنف الاضطهاديّ قد تحمل تحدّيات كبيرة وأهمها بحسب بورتون هو وعينا نحن كأبناء الشعب الفلسطيني لحقيقة واقعنا ولذواتنا. ويتحدّث بورتون عن دور الوعي في الانتقال نحو واقع تحرُّري من القمع من خلال فك شيفرات الوعي الموجودة لدينا والتي ذوتها الاستعمار بأذرعه المختلفة فينا، واستبدالها بشيفرات وعي جديدة، نستطيع من خلالها إدراك تاريخنا وأنفسنا من جديد، مَن نحن وما نستطيعه فعلاً (Burton, 2012).

سُبل التعامُل المُقترَحة: 

– تشكيل جسم فلسطيني يحمل على عاتقه مسؤوليَّة الشؤون التربويَّة والتعليميَّة للطلاب والأطفال في فلسطين في الداخل أو في كافة أماكن التواجد. يعمل هذا الجسم على إعادة صياغة السُبل التدريسيَّة بشكل مُغاير يكون أكثر تفاعلاً ويمكّن الطلاب على الاختبار والتجريب والنقد والإنتاج. ويمكن مراجعة والاستعانة بتجارب وأفكار عديدة، طرحها مفكّرون ومربّون فلسطينيون: كالتعلُّم التعاوني الذي يطرحه الأخصائي النفسي إبراهيم مكّاوي[10]، أو فكرة التعلُّم بالمجاورة التي يطرحها بشكل جميل د. منير فاشة[11]، وتقوم بتطبيقها في الأراضي المحتلة علم 1948 المُربيّة لنا خاسكية[12] مع الأطفال والعاملين معهم، ذلك من خلال الزراعة.

– على صعيد تطبيق المناهج في المدارس: يمكن فعل ذلك من خلال تفعيل لجان أولياء أمور الطلاب وتشكيل ضغط جاد على السلطات المحليَّة أو المدارس لتبنّي منهاج تعليمي مُغاير أو لتفعيل آليات التعليم النقديَّة.

– إتاحة مساحات تطوّعية لمبادرات شبابيَّة ومثلها للأطفال، تُتيح التجرُّب واكتشاف المعرفة من خلال اختبارها ومن خلال تناقل المعرفة بالمجاورة، يكون الأطفال والشباب فيها صانعي المعرفة وأصحابها.

– إتاحة مساحات نقديّة ناشطة بشكل تطوعي، تتناقل المعرفة وتتشارك الخبرات وتفيد لرفع الحس الجمعي لدى الشباب الفلسطيني وأبناء وبنات الشعب الفلسطيني عامةً (من كافة الأعمار)، وإعادة صياغة المعرفة حول الذّات لإعادة إدراكها وإعادة إدراك تجربتنا الجمعيَّة. 

– تشكيل طواقم تطوّعيّة من الأخصائيينات النفسيينات للخوض في تجارب المجاورة والتعلُّم من الاختبار والممارسة مع أهالي الطلاب والطالبات (أمهات وآباء وأصحاب تجربة والديّة) في البلدات الفلسطينيّة المختلفة. بحيث تتطرّق هذه المساحة أو هذا الخوض إلى الوعي الذاتي والجوانب الاضطهاديّة غير المُدرَكة التي تُمارَس على أطفالنا، وتخوض في أهميَّة إتاحة مساحات تفكُّر وخلق ومجالات نقديّة أمام أطفالنا (في الممارسات المُعاشة يومياً ودون تكلفة ماديّة).

– ردع وإيقاف العنف الاستعماري تجاهنا كشعب. كبناء نقابات وأجسام تمثيليَّة فلسطينيَّة جامعة أو لجان محليّة. يطرح العديد من المفكرين والأخصائيين النفسيين النقديين سُبلاً لذلك.
إنَّ هذا الجزء من الحلّ هو حتماً مرهون بالحلول السابقة- بوعينا، ولا بدّ للأجيال القادمة أن تحمل وفرة وإبداعاً في التفكير الكفيل بإيجاد السبيل لذلك.
إضافةً لكون هذا الجزء متعلقاً في الحلّ السياسيّ العام للقضيَّة الفلسطينيّة.

 


[1] قدّم فرانز فانون طرحه هذا في كتابه "العام الخامس على الثورة الجزائريّة"، مُتحدّثًا عن محاولات الاستعمار الفرنسي لتكريس إدّعاءاته حول "رجعيّة" الجزائريين ونظرته لهم، وأثر ذلك على نظرة الجزائريين لأنفسهم. 
المصدر: فانون، فرانز (2004). العام الخامس للثورة الجزائرية، ترجمة ذوقان قرقوط. الفارابي، بيروت. 

[2] أورفورد، يصف صعود علم النفس النّقدي وعلم النفس المُجتمعي في القسم الجنوبي في الكرة الأرضية (متزامنًا مع صعود حركات تحرّر فيه)، كعلوم أصيلة من الإنتاج المعرفيّ للمجتمعات المقهورة، مُجابهةً لسطوة المركزية الأوروبيّة من خلال فرض العلوم من منظورها الكلاسيكي. 
Orford, Jim. 2008. “Community Psychology: Challenges, Controversies, and Emerging Consensus”. School of Psychology The University of Birmingham, UK.

[3]أتطرّق في هذا المقال لواقع العنف لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 فحسب من دون التطرُّق إلى بقية أماكن التواجد الفلسطيني، لا لاختلاف العوامل الأساسيّة أو سُبل التعامل الأساسيّة، بل لصعوبة التطرًّق لتفاصيل السبُل المتّبعة حاليًا في كلّ واحدة من المناطق للتعامُل مع العنف، ذلك لعدم اتساع المقال الحالي لخوض ذلك.

[4]يطرح مصطفى حجازي هذا التوجُّه في كتابه "التخلُّف الاجتماعي- مدخل إلى سيكولوجيّة الانسان المقهور"، مُفسرًا تركيبة وميّزات الشعوب التي تحيا واقعًا من القهر والاضطهاد بفعل الاستعمار وقوى الاضطهاد الممنهجة، متطرقًا للعنف على شكله الاضطهاديّ، أي في مرحلة الاضطهاد حيث يوجه أبناء الشعب المقهور العنف نحو بعضهم البعض.
المصدر: حجازي، مصطفى (1985). التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. المركز الثقافي العربي. بيروت، لبنان.

[5] Burton, Mark. 2012. “Liberation Psychology: a constructive critical praxis”. Extended version of keynote talk given at the Third Critical Psychology Symposium, Diyarbakır, Turkey, 15-16 September.

[6] Freire, Paulo. 1993. Pedagogy of the Oppressed. New York, Continuum.

[7] Fromm, Erich. [1973] 1992. “The Anatomy of Human Destructiveness. New York: Henry Holt.

[8]نيتشيه، فريدريك (1882). العلم المرح. ترجمة: حسان بورقية ومحمد الناجي، دار أفريقيا الشرق.

[9]  Deci, E., & Ryan, R. (Eds.). 2002. “Handbook of self-determination research”. Rochester, NY: University of Rochester Press.

[10] مكّاوي، إبراهيم. التعلّم التعاوني في المجموعات الصغيرة. أيار 2003، الجيل الجديد، العدد 13. ص 50- 52.

[11] Fasheh, Munir. Community Education: Reclaiming and Developing What Has Been Made Invisible. The Harvard Educational Review, February 1990

[12] مربيّة على طريقة التعلّم بالمجاورة من خلال الزراعة، وقائمة على مشروع "جوار" في مدينة حيفا. درست الفلسفة والعلوم السياسيّة وموضوع التدريس.

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك