إجتماعي غائبو وادي الصليب

غائبو وادي الصليب

-

- Advertisment -

"يا بلدي، ياللّي وأنا فيكِ، عيوني ليكِ بيحنّوا" البحر، سيد حجاب...

التاريخ

وادي الصليب حيٌّ قديم يقع في المنطقة السفليّة للمنحدر الشماليّ الشرقيّ لجبل الكرمل، في وسط مدينة حيفا. أُنشئ الحيّ في نهاية القرن التاسع عشر، بعد فترة وجيزة من تأسيس حيفا على يد ظاهر العمر. في أوائل القرن العشرين، بعد وصول المستوطنين اليهود، كان وادي الصليب، من بين أحياء أخرى، موقعاً للعديد من أعمال الشغب بين المستوطنين اليهود والوحدات العسكريّة الفلسطينيّة. هُجِّر الفلسطينيون تدريجياً من وطنهم نتيجة القتال والقصف وتدمير المباني المكثَّف، ونيران القنّاصة، وإغلاق اليهود لطرق الوصول، التي عزلت الفلسطينيّين عن أجزاءٍ أخرى من المدينة.

 

مع نهاية عام 1948، شُرِّد أكثر من 60,000 فلسطينيّ يعيشون في حيفا، ووجد 6000 فلسطينيٍّ من سُكّان حيفا مكاناً لأنفسهم في وادي النسناس، وهو حيّ آخر في وسط مدينة حيفا. ومع رحيل الفلسطينيّين إلى المدن المجاورة، مثل عكا، والبلدان المجاورة مثل سوريا والأردن ولبنان، تُركِت مباني وادي الصليب مهجورة ومُدمّرة جزئيًا، ولم يُسمح لأي من سكانها الأصليين بالعودة بعد انتهاء الحرب. وحتى اليوم، تعيش الغالبية في البلدان المجاورة، بينما يعيش آخرون بالقرب من منازل طفولتهم، ويمرّون كل يوم تقريباً بالقرب من أنقاض ماضيهم. أصبحت منازلهم فارغة وخاوية ومهدَّمة، والجدران لا تزال حتى اليوم، تقف قوية وتنتظر أصحابها الشرعيين الذين أصبحوا الآن لاجئين في أرضٍ أخرى.

القانون

في عام 1950، صودرت العديد من المباني بعد أن أقرّت حكومة الاحتلال قانون أملاك الغائبين، والذي يُعرِّف الفلسطينيين الذين نزحوا وغادروا حدود فلسطين حتّى تشرين الثاني من عام 1947، خاصّة بعد الحرب، كغائبين. أصبح كل ما يخصّهم – الأرض والمنازل والحسابات المصرفيّة وما إلى ذلك – "ممتلكات غائب"، ممّا أعطى الحكومة "الحق" في مصادرتها.

شكّل هذا القانون أداة رئيسيّة لـ"إسرائيل" للسيطرة على ممتلكات اللاجئين الفلسطينيّين النازحين وامتلاكها، والقضاء بهدوء على آخر بقايا الملكيّة الفلسطينيّة الشرعيّة.

 

"إعادة تأهيل" وادي الصليب

في السنوات الأخيرة، بدأت بلديّة حيفا بـ"إعادة تأهيل" شاملة للحي، وفق خطّة بناء مدينة موافَق عليها، وُضعت قبل أكثر من عقدين. في أيّار 2016، وُضع حجر الأساس لمشروع الحي "Quarter Project"، وفي أوائل عام 2017، وافقت البلديّة على السماح لشركة عقاريّة تُدعى "جولدن آرت" بالبدء في العديد من المشاريع بهدف "تجديد" الحي القديم لوادي الصليب. يهدف المشروع الأول إلى الحفاظ على مبنى بُني في نهاية القرن التاسع عشر، يقع في قلب الحديقة التي أنشأتها البلديّة في وسط الحي. يُطلق على المشروع اسم "The Park House" لأنه مصمَّم لحفظ  المبنى بنيّة تحويله إلى مبنى عام يحتوي على مقهى.

 

يُطلق على المشروع الثاني اسم "بيت درج أغالون/عجلون"، والذي يتضمّن أيضًا الحفاظ على مبنى قديم، يتكون الطابق الأول من هذا المبنى من الحجر ويعود تاريخه للفترة العثمانية، بينما بُني الطابق الثاني أثناء فترة الاستعمار البريطانيّ، بغلاف من الحجارة الاسمنتية والفولاذ. استخدم المبنى، في الأصل، كمساحة للسكن، وحُوّل لاحقاً إلى كنيس يهودي. وفقاً للخطة، سيخضع المبنى لعملية صيانة للأغراض السكنية ويتوقع استكمالها بـ 14 وحدة سكنية.

 

تقوم الشركة أيضاً ببناء مشروع الحي " Quarter project"، والذي سيضمّ 198 شقة موزّعة على ثلاثة مبانٍ بواجهة تجاريّة، واحدة منها مخصّصة للإيجار طويل المدى. من المتوقّع أن تؤجَّر هذه المباني خلال الصيف المقبل. بالإضافة إلى ذلك، وبجوار المشروع، قامت البلدية ببناء حديقة عامة/بلدية تبلغ مساحتها 12 دونماً، تشمل متنزه يطل على البحر. بُنيت الحديقة كمجموعة من المصاطب/السلاسل التقليدية، لتتلائم مع طبيعة المباني التاريخيّة التي وُجدت على المنحدر. تنحدر المصاطب باتّجاه منطقة لتناول الطعام، والتي تجمع بين المقاعد الحجريّة والمساحات العشبيّة، ومن المقرّر أن تقام المقاهي والأكشاك في قلب الحديقة.

 

أن تعيش بالقرب..

إنَّ المشروع الذي أطلقته بلديّة حيفا لا يُظهر أهوال "التحسين" فحسب، بل يُظهر أيضًا أحد ممارسات المستوطنين الأساسيّة: محو تاريخ الفضاء الحضري/المديني في فلسطين من خلال مصادرة كل من ممتلكات اللاجئين والمواطنين لإدماجهم في رؤية بناء الدولة الصهيونيّة. على المرء فقط أن يراقب التهجير الحالي للقرى البدوية في جنوب فلسطين ليدرك فكرة النكبة المستمرة.

 

بالحديث عن وادي الصليب، لدينا مجموعتان متضرّرتان: اللاجئون الفلسطينيون والمواطنون الفلسطينيون في "إسرائيل". هجّرت المجموعة الأولى مرّتين من مساحتها الحضرية/المدينية: أوّل مرة عند فقدانهم للمنزل ومن ثمّ الفضاء المادّي والأرض. يمكنهم الوصول إلى أنقاض ماضيهم فقط من خلال عيون أحدهم أو جهاز شخصٍ آخر. المجموعة الثانية، من ناحية أخرى، لا يزال بإمكانها الوصول إلى الحي، ممّا يجعل تجربة "العيش بالقرب" شهادة محزنة لعمليّة طمس. ربما يمرّ بعضهم بالقرب من هذه المساحة المهدمة في كثير من الأحيان، ويقفون على حافّة حدودها، ويتذكرون الساعات التي قضوها في اللعب تحت ظلال الأشجار.

 

إن العيش بالقرب من وادي الصليب يعني العيش بحنينٍ دائم إلى الوطن، حنين لمساحة حضريّة/مدينيّة ثقافيّة وسياسيّة. وبالرغم من ذلك، تُظهر حيفا اليوم حرصها في الحفاظ على التراث الفلسطينيّ للمدينة. وبينما تحاول "إسرائيل" باستمرار تدمير كل مظهر فلسطيني من المدينة، يعمل الفلسطينيّون على بناء مبادراتهم الخاصّة لاستعادة مساحتهم. إقامة المسارح والمنظّمات والجمعيّات الثقافيّة والمهرجانات المستقلّة مجرّد بداية لمشروع واعد بالتمسّك بفضاءنا وأرضنا ووطننا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك