سياسي أفكار حول المدينة الفلسطينية في ظل النيوليبرالية ودور الشباب...

أفكار حول المدينة الفلسطينية في ظل النيوليبرالية ودور الشباب فيها

-

- Advertisment -

تحولت المدن في العقود الأخيرة إلى ثيمة يتم تسويقها للسكن وللسياحة، ترافقها مساقات بحثية في الجامعات وتشكل محور نضال حول الهوية. على المدينة بحلتها الحديثة أن تكون "ناجحة" و"حديثة" و"أصيلة" وفق معايير عينيّة. لتحقق هذه الأهداف ضمن قوانين "السوق الحرة"، تغربل المدينة سكانها بين المجموعات التي بإمكانها الاستثمار والمساهمة في "التنمية الاقتصادية"، كالشباب، الفنانين والطلاب، وبين استثناء المجموعات التي لا تجلب الفائدة الاقتصادية "غير ناجعة اقتصاديا" وبالتالي ليس مرحب بها. يحدث ذلك بينما تتعرض المجموعة السكانية غير المرغوب بها إلى التهجير القصري من خلال شتى أساليب التخطيط، منها الإهمال المُمَنْهَج للحي من قبل البلديات. عادة ما تُعرض أساليب التهجير على أنها محايدة، غير سياسية وتهدف فقط إلى فرض الأمان في الحيز الحضري، مثل أحياء السكن المغلقة. تتماثل سياسات التخطيط مع عمليات التجدد الحضري ونتائجها مثل الاستطباق، وفرض الرقابة في الحيز العام، وخصخصته وغلاء المعيشة في هذه المناطق. أدت هذه التغييرات إلى نشوء حركات نقديّة على الصعيدين الفكري والنضالي الشعبي. بعض هذه الحركات رفعت شعار "الحق في المدينة"، وهذا يعني تمكين السكان من المشاركة بتخطيط وتصميم الحيز وفقًا لحاجاتهم (ذلك بدلًا من شركات الاستثمار والأهداف الماديّة الربحيّة). بينما تعود مطالبة "الحق في المدينة" إلى المفكر الفرنسي الماركسي هنري ليفبر[1] في ستينيات القرن الماضي، ويتم استخدامها وبلورتها بجهات مختلفة ومتعددة حتى يومنا هذا؛ على سبيل المثال وليس للحصر، تحويل "الحق في المدينة" إلى ميثاق في مدينة مكسيكو سيتي. ينتقد بعض المنظرين أمثال بيتر ماركوس[2] التوجه نحو مفهوم "الحق في المدينة" من منظور المطالبة القانونيّة، ويرى فيها مطالبة أخلاقية من منظور المظلومين، تذّكر بإمكانية بناء واقع بديل للحاضر. يتم التطرق إلى هذه النظرة أيضا في كتابات جون ناجل[3] في دراسته حول وسط بيروت، إذ يرى أن "الحق في المدينة" هو صورة من صور الأشباح تطارد الأماكن المسكونة، وفي وضع بيروت وعمليات التجدد الحضري التي تتعرض لها – يرى فيها تجسد "المحاولات المضطربة لدفن الماضي العنيف في وقت مبكر للغاية بسبب إغراءات الحداثة". في هذه الحالة – الحق في المدينة هو بمثابة مطالبة لإنقاذ الحيز واستعادته من عمليات التجدد الحضري المحايد الذي يتفادى بل يغيّب الحيز الذي تسكن فيه ذاكرة جماعية وهوية جماعية. على الرغم من ازدحام اليوتوبيا المشحونة والكامنة في مفهوم "الحق في المدينة"، تدعي مارجليت ماير[4] وآخرون، أن الحركات المناضلة باسم الحق في المدينة في أوروبا، تكون غالبًا مجموعات "بيضاء"، أي أنها تستقصي المهمشين طبقيًّا وعرقيًّا منها. استمرارًا لهذا النقد، يشير بعض الباحثون[5] من أستراليا إلى انعدام تعامل هذه الحركات مع قضايا الأصلانيين، والأنكى من ذلك هو ظاهرة تحويل قضايا العنف البنيوي التاريخي في النظام الحضري إلى قضية أخرى تخص الأقليات.

 

تكتسب هذه النقاشات أهميتها عندما نحوّل وجهة تفكيرنا ونتأمل الحيز الذي نصبو للعيش فيه، خاصة نحن فئة الشباب في مدن فلسطين المختلفة. فهل بإمكان الفلسطيني القابع تحت استعمار أن يطالب في الحق في المدينة؟ وماذا يحدث في النضال ضد الخصخصة والاستطباق عندما تكون المدينة مستعمرة؟ في هذه الحالة، يجدر بنا أن نتسائل، لعلنا بحاجة إلى مدخل مختلف لمسألة الحيز وسياسات التخطيط النيوليبرالية، مدخل لا يتعامل مع التقاطع بين السياسات النيوليبراليّة والاستعمار فحسب، ولا يقتصر اهتمامه على نتائجهما مثل التهجير والتخطيط المبني على العزل الطبقي بهدف الربح، بل مدخلًا يبحث في منطق هذه القوة، تطورها التاريخي والمخيال السياسي لكلتا المنظومتين.

 

يدعي بعض الباحثين [6] أن أثناء تشكيل الاستعمار لموجة التراكم المادي الأولى، قامت موجة التراكم الثانية أي النيوليبرالية بتوجيه مصالحها نحو "المشاعات الثانية" – أي نحو تلك المنافع العامة التي انتزعت تاريخيًّا من الدولة، من قبل الحركات الاجتماعية، تعويضًا عن الخسارة الأصلية للمشاعات: كالضمان الاجتماعي، التعليم وبقايا الفضاء العام. لو كانت نتيجة الموجة الأولى سلب الأرض، تطمع الموجة الثانية في تحويل ممارسات الحياة العادية وما تبقى من حيز عام الى رأس مال جديد. في هذه الحالة تتحول "المشاعات الثانية" إلى سلعة وفي المنطق الاستعماري يتم من خلالها – "تحرير" هذه الخدمات والحيز العام من الاستخدام المشترك إلى سلعة، يتم تسوقيها كجزء من عجلة التراكم المادي. رغم استخدام الموجة الجديدة – النيوليبرالية، لمنطق وهدف مشترك مع الموجة الأولى – الاستعمار، ورغم النتائج المشابهة من تهجير المجموعات المستثناة "غير المرغوب بها"، فهي تظهر كعملية غير مقصودة. كما وأنها تسوّق من خلال لغة، نظرة جغرافية وزمانية ومخيلة جماعية تعرض من خلالها كعملية محايدة سياسيًّا ومن شأنها أن تستوعب كذلك نظر المجتمع.  والأنكى من ذلك فقد تظهر كنجاح للمجتمع الحضري في معايير المدينة "الناجحة" والتي تصلح للسياحة وللعيش "الحديث".

 

على سبيل المثال وليس الحصر، يكون التفكير بالحق في الحيز الحضري من خلال فكرة "الإحياء" –  نرى أن أحد الأمثلة الدارجة على تصميم رؤيتنا ومنظورنا نحو الحيز يأتي في عادة ربط الحق في الحيز الحضري بفكرة "الإحياء" أو الإنعاش: إحياء الحيز الفلسطيني، إحياء تاريخي، إحياء السوق، إحياء المشهد الثقافي، إلخ. إلا أن التعامل مع الحيز ينطلق أحيانًا من وجهة نظر خارجية، حتى أنه يصبح شبيه للمفردة المستخدمة بالإنكليزية للتجدد الحضري النيوليبرالي: regeneration. كلتا المفردتين مربوطتين بعالم الأحياء، وتدلّان على سيرورة طبيعية، ولا تشيران إلى تدخل خارجي[7]. وكلتاهما تبدوان ذات طابع إيجابي، غير منحاز سياسيًّا، يرتكز على فكرة "إعادة" الشيء إلى وضعه المثالي. لكن هذه العمليات "الطبيعية" تشير إلى أسئلة عديدة غير مطروحة، قد تحولت إلى مسلمات، مثل السؤال: إلى أي حال يجدر بنا أن نعيد الحيز؟ وفق أي شروط؟ ومن أجل من؟ ما الغرض؟ من يجدر أن يكون المبادر بذلك بالنسبة لهذا الحيز وغيرها من أسئلة التي يجدر طرحها، خاصة في واقع مجتمع يخضع لظرف استعماري.

زمانيًّا، تعكس هذه العمليات منطق زمني يقسم تاريخ المكان إلى فترتين: إحداهما ميتة وفارغة، وأخرى مترعة بالحياة. في العديد من الأحيان، في الفترة "الميتة"، تسكن في المكان مجموعات فقيرة يجعلها التقسيم غير مرئية، مغيبة في التفكير المستقبلي حول ذات الحيز. أما الحيز نفسه، فلا "يؤدي دوره" في الفترة "الميتة" كسلعة جيدة وفق المنطق الرأسمالي. في المقابل، تبدو عملية الإحياء هذه على أنها انتهاز الفرص لتحسين المكان، بينما يتسبب ذلك إلى ارتفاع غلاء المعيشة وتغيير سكاني، وفي العديد من المرات، عن غير قصد، من خلال مبادرات شبابية، فنية واجتماعية. في مثل هذه الحالات، يحول "الإحياء" قضية سياسية جماعية إلى وضع ينطوي على مأزق إشكالي محصور الرؤية، وفقه يحتاج المكان إلى مبادرة تجميلية فحسب. فبدلا من أن يكون محور العمل ضد العنف التاريخي للمكان، تتحول أساليب العيش التي نتجت عنه إلى الجبهة والعنوان لتغيير الحيز. بالإضافة إلى ذلك، إن التقسيم الزمني بين الفترة المعرفة بال- "ميتة" والأخرى التي يجري فيها "الإحياء" ليست حيادية، بل تكسب امتدادا للتقسيم الزمني الاستعماري بين التاريخ الحضري الموثق مقابل التاريخ الأصلاني المنسي والأسطوري. ضمن ذات المنطق، يتم تجريد البيت الفلسطيني والسوق وغيرهما من مكانتهم التاريخية، ليتحولوا إلى حيز فولكلوري جميل فحسب. والأنكى من ذلك، هو توحيد منظر البنايات في الحيز ليتماشى مع جماليات مخيال مستعار من أحياء أخرى في العالم. وفي نهاية المطاف، ينال هذا التحول من أساليب العيش والأدائية التي لا تمت بصلة لتاريخ المكان والمجتمع أو واقعه الاستعماري.

المقلق في هذه الحالات هو تورطنا نحن كمجتمع فلسطيني في موجة التراكم المادي الثانية بينما ما زلنا نعاني من الموجة السابقة خاصة بين فئة الشباب. عندما نفكر بالحق في المدينة أو الحيز من حولنا أو المشهد الحضري الشبابي العالمي، كثيرا ما يتحول نشاطنا إلى "إحياء" منقطع عن الواقع السياسي ومحصور في جماليات مستعارة من العالم النيوليبرالي – الفرداني ومرفق بشعارات "بدنا نعيش". لا شك في أن مأزق المخيال السياسي الجماعي ينعكس في التعامل مع الحيز من حولنا، ومع ذلك، لا بد من أن ينبثق التفكير والتعامل مع الحيز من السياق التاريخي، الاقتصادي والسياسي للمكان، ولعل السؤال الأساسي يجب أن يتمحور حول تأثير تغير الحيز جماعيا، وحول مصدر اللغة، المخيال والمعايير التي يتم استخدامها.   

 

*الكاريكاتير عمل نضال خيري.

 


[1] Lefebvre, H., (1996). Writings on cities (Vol. 63, No. 2). Oxford: Blackwell.

[2] Brenner, N., Marcuse, P., & Mayer, M. (Eds.). (2012). Cities for people, not for profit: Critical urban theory and the right to the city. Routledge.

[3] Nagle, J. (2017). Ghosts, memory, and the right to the divided city: Resisting amnesia in Beirut city centre. Antipode, 49(1), 149-168.

[4] Mayer, M. (2017). Whose city? from Ray Pahls critique of the Keynesian city to the contestations around neoliberal urbanism. The Sociological Review, 65(2), 168-183.

[5] Quicke, S. P., & Green, C. (2017). Precarious residence: Indigenous housing and the right to the city. Geoforum, 85, 167-177.

[6] Lloyd, D., & Wolfe, P. (2016). Settler colonial logics and the neoliberal regime. Settler Colonial Studies. 6(2):109–18

[7] Smith, N. (2002). 'New globalism, new urbanism: Gentrification as global urban strategy', Antipode, 34(3):427-450

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك