إجتماعي اللجوء كمكان

اللجوء كمكان

-

- Advertisment -

 (يستخدم هذا النص الضمير المؤنّث، لأننا تعوّدنا على استخدام المذكّر كضمير يعبّر عن الإثنين معاً. ومن المفيد أحياناً، تغيير العادات.)

"علينا أن نحكي كيف نعيش مكاننا الحياتي، في تناسق مع ديالكتيك الحياة، كيف نمدّ جذورنا، يوماً بعد يوم، في "زاوية من العالم".[1]

لماذا يضع غاستون باشلار، أحد أشهر فلاسفة القرن الماضي والأنثروبولوجي الفينومينولوجي المخضرم، فهم علاقتنا بالمكان على هذا المستوى من الأهمية؟ وإن كان فهم هذه العلاقة مهم، فكيف تكون هذه العلاقة بين اللاجئة والمكانين الذي "تعيشهما"، الموطن والملجأ؟ وما معنى هذه الجذور، للاجئة لا تريد/ لا تستطيع أن تمدّ جذورها في مكان اللجوء والانتظار؟

في إطار فتح نقاش نراه ضرورياً عن معنى الانتماء ونتيجة البتر والانسلاخ الحاصلين، في علاقة الانسان بالمكان، نعالج في هذا النص معنى المكانين بوصفهما نقيضين وبما يخلقانه في اللاجئة -أي معنى اللجوء أو اللجوء بحد ذاته، كمكان.

الموطن بالنسبة للاجئين، كما البيت، هو "الحميمية المحمية"[2] كما يسمّيها باشلار في كتابه "جماليات المكان"[3]، فالبيت "هو زاويتنا في العالم"[4]. لكن أين هي هذه الزاوية، بالنسبة للاجئين؟ "هنا"، في مكان اللجوء، مكان الانتظار، المكان الذي لا يريدونه مكاناً نهائياً، أم "هناك"، الموطن الأساسي، ذلك الذي انفصلوا عنه ويسعون إليه؟

في هذا النص، نقدّم معالجة فينومينولوجية لماهية المكان الذي تعيشه اللاجئة، كمكان يفترض به التعبير عن الانتماء ونقيضه. نستخدم في هذا النص تعبيرَي "ملجأ/ لجوء" للحديث عن بلد الشتات/ المخيم/ الوجود خارج الوطن-الأم بسبب الاحتلال، و"موطن" للحديث عن الوطن-الأم/ ما فقدته اللاجئة حين أصبحت لاجئة. كما نقصد في "اللاجئين"، اللاجئات واللاجئين اللواتي والذين لم يستطيعوا الانتماء إلى مكان اللجوء، أو لا يريدون ذلك (بمعنى أن هناك "لاجئين" بالمعنى القانوني، لكنهم/ن بالمعنى الاجتماعي الثقافي والنفسي، لا يريدون العودة، وقد استطاعوا الانتماء لمكان اللجوء. وهنّ وهم غير معنييّن/ات بالتسمية هنا).

فيما يشبه مقولة مارتن هايدغر الرائعة عن المكان "المكان الوحيد الذي يعرفه جسم الانسان، فلا وجود له خارجه"، يقول باشلار "قبل أن ينطلق في العالم، يرتمي الانسان في حضن البيت."[5] لنوسّع تطبيق هذا المفهوم على الموطن، فإن كانت اللاجئة ترتمي أول ما تأتي إلى هذا العالم، في حضن ما ليس "بيتها"، ما ليس "موطنها"، كيف تتشكّل علاقتها مع المكان ذلك؟ كيف تخلق حميمية مع ما "لا يجب" أن تخلق حميمية معه، لأنها لا تريد أن تبقى فيه، لأنها لا تسمع حتى قبل "انطلاقتها إلى العالم"، إلّا عن مكان "آخر" يجب أن تنتمي إليه، وترتمي في حضنه؟

في مكان اللجوء، تبدأ الأزمة من حيث يفترض أن يكوّن البيت "جسماً من الصور تعطي الانسانية إثباتات الثبات أو أوهاماً عنه."[6] لكن ماذا عن "البيت" الذي لا ثبات فيه، البيت الذي يأوي في الانتظار، ملجأ الرحلة بين التهجير والعودة؟ بمعنى أن الثبات هذا مستحيل، في مكان هو في طبيعته، مبني ليكون مؤقّتاُ. فتكون الأزمة هنا في المكان الذي يجب أن يكون ثابتاً لكنّه في الواقع مؤقّت، فإذاً متحرّك.

اللجوء هو، فيما تحاول اللاجئة الخروج من صدمة التهجير، ومحاولة رسم طريق الرجوع المستحيل حالياً، هو الما-بين بين. اللجوء كفعل هو ما يحدّد علاقتها بالمكان، هو ما يصبح تلك السفينة التي تريد ولا تريد ترك ضفة، وتريد ولا تريد الوصول إلى الأخرى. واللجوء يصبح حينها هو المكان. بالنسبة للعديد من الأنتروبولوجيين، فإن سؤال "من أنا؟"متّصل بذلك القائل "أين أنا؟"، بمعنى أن كونها لاجئة متّصل بوجودها خارج موطنها، في مكان الانتظار. وهناك ثنائية أخرى تظهر بين الزمان والمكان: فالملجأ كمكان هو بالفعل مخزن للوقت، قاعة الانتظار بين لحظة التهجير ولحظة العودة. يتحدّث مارك أوجيه في كتابه "اللا-أمكنة، مقدّمة لأنتروبولوجيا السوبر-حداثة"، عمّا يسمّيه "اللا-مكان"، ما تمرّين به بسرعة أو لفترة محدودة، مكان لا تبقين فيه مدّة طويلة كفاية لتستطيعي بناء علاقة معه، مكان لا يمكن الانتماء إليه: المطارات ومحطّات القطارات والمستشفيات والحافلات والأوتيلات وغيرها، أمكنة لا تستطيعين، بسبب سرعة مرورك فيها كما بسبب دورها وطبيعة عملها، أن تحسّي بالانتماء إليها. والملجأ، المكان النقيض للموطن، المكان-الوقت الذي تمضينه خارج الموطن، هو كذلك.

والانفصال، أو الوجود في مكانين في الوقت ذاته، هو أحد أشكال اللجوء. في جملة بيار-جان جوف الشعرية "لأننا نكون حيث لا نكون"[7]، تكون اللاجئة حيث أنها ليست في فلسطين، في المخيم، أي في أرض غير أرضها. أي أنها موجودة هنا لأنها ليست هناك، لأن "هنا" استحالة لوجودها هناك. يحكي غاستون باشلار عن "ثنائية الداخل والخارج": "يشكّل الخارج والداخل ديالكتيك الفصل."[8] يمكننا هنا إذاً الحديث عن ديالكتيك المكان في ثنائية تشبه في طرحه ثنائية الملجأ والموطن، ثنائية ال"هنا" و"هناك": لا يلتقيان، ينفي وجود أحدهما الآخر، ولا يوجد إلا به.

وتكمن الصعوبة في هذه الثنائية التي تحكم منطق علاقة اللاجئة بالمكانين معاً: عدم التواجد في المكان الذي تريده، في ظل انتمائها العاطفي إليه، وغياب الانتماء العاطفي للمكان الذي تتواجد فيه، بالرغم من وجودها المادّي فيه لأنّها لا تريد أصلاً أن ينمو بينه وبينها تلك العلاقة. وذلك ربّما لأن المكان قاس عليها بحدّ ذاته، وربّما أيضاً لأنه يذكّرها طوال الوقت، بأنها ليست "هناك". فيصبح الموطن المنهوب إذذّاك، كقوقعة غير مرئية على ظهر سلحفاة: تلجأ إليه، تحتمي به، لكنه اليوم غير موجود، لا تصل إليه إلّا في خيالها. في إطار خلق هذه القوقعة، يثقل وجودها كاهل اللاجئة. قوقعة حامية هي، لكنها ثقيلة؛ وزن ضاغط ساحق، كمرساة تجبرها على الوقوف ساكنة في مكانها. وهي في ثقلها ذلك، ما يجعل اللجوء صعباً، ما يجعل مدّ الجذور هنا مستحيل: المرساة "هناك"، والقوقعة تمنعها من الانتقال إلى "هنا"، من التواجد هنا بشكل كامل.

لا جذور تمدّها اللاجئة في قاعة انتظار. لا تمدّ اللاجئة في مكانها المؤقّت سوى خيوط عودة، سوى سردية انتماء لمكان آخر. وضمن هذه السردية، وفيما يبدو المؤقّت أبدياً، تضطر اللاجئة بأن تعيش في/تنتمي إلى ما لا يحتمل انتماءً. هكذا، في ساعة الرمل حيث يمضي االوقت، لا تتجمّع حبّات الرمل.

 


[1] "We should therefore have to say how we inhabit our vital space, in accord with all the dialectics of life, how we take root, day after day, in acorner of the world.”

[2] Protected intimacy

[3] Bachelard, Gaston. "The poetics of space, trans." Maria Jolas (New York, 1964) (1969): 28.

[4]Bachelard, Gaston. "The poetics of space, trans." Maria Jolas (New York, 1964) (1969): 28. "For our house is our corner of the world.”

[5] Bachelard, Gaston. "The poetics of space, trans." Maria Jolas (New York, 1964) (1969): 28. “Before he iscast into the world’, (…) man is laid in the cradle of the house.”

[6]Bachelard, Gaston. "The poetics of space, trans." Maria Jolas (New York, 1964) (1969): 28. "A house constitutes a body of images that give mankind proofs or illusions of stability.”

[7] "Car nous sommes ou nous ne sommes pas", Pierre-Jean Jouve, Lyrique.

[8] Bachelard, Gaston. "The poetics of space, trans." Maria Jolas (New York, 1964) (1969): 28. “Outside and inside form a dialectic of division.”

*الصورة المسخدمة عبارة عن كولاج من عمل جنى نخال.

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك