إجتماعي عن القاهرة وعنفها

عن القاهرة وعنفها

-

- Advertisment -

 

تساءلت كثيرًا منذ صغري عن معنى الإجرام، وما معنى أن يرتكب الناس جرائمًا باختلاف أنواعها؟ أخبرتني أمّي عن العدل والمساواة ومعانيهم في المجتمعات ونشأتها، وأن الأشخاص قد يرتكبون الجرائم لأسباب مختلفة، وكيف أنّه في أزمنة مختلفة من تاريخ البشرية مُنعت المعاقبة على جرائم السرقة، لأن المجتمعات كانت تمرّ بمجاعات وإفقار مما دعى لإلغاء أي عقوباتٍ ضدّ السرقات. في نقاشاتي مع أمّي، شرحت لي معنى أن الدول بنُظمها السياسية المختلفة تسنّ القوانين بما ينظّم علاقات البشر لأن الاعتماد على الضمير وحده لم يجدي في نظم الدول الحديثة. فهمُ تلك التصرفات هامّ في السياق السياسي التاريخي والاقتصادي للمجتمعات في أزمنة مختلفة، لكنّه لا يعني أنّه يحتّم على ضمائرنا فهم تلك السياقات مع الأخذ في الاعتبار أن حرية الأفعال تقف عند أذية الأخريات/الآخرين في المجتمعات. دفعتني دراستي لعلم الإنسان في التفكير أكثر في معنى العنف، تطوّرت أفكاري عنه وإدراكي له منذ الثورة المصرية في ٢٥ يناير ٢٠١١، باختلاف موجاتها وأحداثها، والعنف الذي أحاط بها من العديد من المشتركات/ين ومن قبل مؤسّسات الدولة المختلفة. ما دفعني للتخصص في أنثروبولوجيا وجغرافيات العنف في مناطق مختلفة من مدينتي والتي أسكنها منذ ٣٥ عام، ومحاولة ربط هذا الإدراك بجغرافيات مختلفة في العالم، وفي الدراسات المختلفة عن العنف والأمن والصراعات المجتمعية. 

رحلات يومية أقطعها من وسط المدينة في القاهرة إلى رملة بولاق[1].. ميكروباص من ميدان عبد المنعم رياض يسلك طريق الكورنيش، "علي جنب هنا يا أسطى.. بعد الأبراج على طول"، وفي عودتي أضطرّ لقطع الطريق إلى الجهة المقابلة حتى أركب ميكروباص العودة إلى وسط المدينة. دائمًا وابدًا يخرج معي من أهل المنطقة شخص أو اثنين، أحيانًا ظنًا منهم أنه واجب الضيافة أو تقديرًا لشخصي، أو لأني امرأة ويخشون علي. لكنّي ظننت أيضًا أن تلك الصحبة كانت لتكملة أحاديث لم تنتهي، ولن تنتهي. في مرّة منهم اصطحبني أحدهم وأصرّ عليّ قطع الطريق معي إلى الجانب الآخر، وهو أمر يزعجني بشدّة لنزعتي النسويّة المتمرّدة أنّي أستطيع قطع الطريق بنفسي، وعندما أصررت أن أعبر لوحدي قال لي: "أمنية .. إنتِ مش فاهمة… إحنا كلنا خايفين عليكي.. عشان اللي حصل لنسمة!". تسمّرت مكاني وسألته عن نسمة: من هي؟ 

قُتلت نسمة في أوائل الألفينات وبعد بناء أبراج النايل سيتي خلف منطقة عشش الكفراوي برملة بولاق. صدمتها سيارة تخرج بسرعة جنونية من كراج واحدة من البرجين. منذ بداية بناء الأبراج في ١٩٩٦ وحتى ٢٠٠١، استولت الأبراج على ٦ أمتار من شارع السكّة التجاريّة الذي يفصل ما بين الأبراج والعشش (صورة ١و٢). فوجئ الأهالي بقرار من محافظة القاهرة يقتضي بإزالة ٦ أمتار من واجهة عشش الكفراوي التي تحتوي بيوت وأكشاك ومحلات للأهالي، وكأنّ بيوتهم المبنيّة منذ ١٠٠ عام تعدّت على الشارع (صورة ٣و٤). عملت نسمة في محلّ أبيها الذي توفّي في صغرها ومن خلاله باعت حلويات وسجاير وبعض البقالة في مدخل العشش. قرّرت نسمة الطعن في قرار الإزالة، تضامن معها بعض السكّان وضمّوا عليها في القضية (صورة ٥). قُتلت خلال عودتها إحدى الليالي من زيارة محامي القضية (صورة ٦). قرّرت المحكمة قبول الطعن ولغي القرار ونصّ أن الأبراج تعدّت على مساحة الشارع (صورة ٧). قُتلت نسمة واستفاد جميع من ضمّ عليها في القضية من القرار. ما زالت أمها تعمل في نفس البقالة الصغيرة.[2]

تتعدّى خطط الدولة والمستثمرين على حياة سكّان المناطق ووجودهم، خاصّة عندما تكون تلك المناطقمن بناء الأهالي[3]، فيكون أسهل على الدولة أن تتّهمهم بالعشوائية وخروجهم عن القانون. كما يتم تحليل وتقنين جميع الممارسات العنيفة من الدولة وممثّليها تجاه تلك المجموعات، وتصل لحد البلطجة والقتل من قبل المستثمرين وأصحاب القُوى. يسهل عادةً تجريم جميع المجموعات الأقلّ تمكينًا، وصناعة خطاب تجريمي لأشخاصهم ومجموعاتهم. وعليه يتم عرض القضايا وتحليلها في المجتمع بصيغ مقلوبة ممّا يعود في صالح الدولة والطبقات الاجتماعية الحاكمة ومصالحهم وخططهم واستثماراتهم. العنف العمراني المجتمعي، والذي طبقاً للأمثلة المستخدمة هنا، يعتبر عملية مُمنهَجة من أشخاص ومؤسّسات ذات قوى تجاه مجموعات وأشخاص أقل تمكينًا مجتمعياً. مثلاً الرسالة الضمنية بقتل نسمة التي بعثتها إدارة أبراج النايل سيتي إلى سكّان عشش الكفراوي في رملة بولاق كانت لتحذيرهم من أي محاولات لعرقلة خططها ومشاريعها، ممّا تسبّب في صدمة للأهالي، وعليها قرّرت أسر منهم الرحيل من المنطقة. مقتل نسمة ومن بعدها عمّار – طفل صغير مات نتيجة حريق في مجموعة من المنازل في أوائل عام ٢٠١٢ وعمرو البني – شاب في عشرينياته قُتل يوم ٢ أغسطس ٢٠١٢ في مدخل أبراج النايل سيتي بسلاح ضابط شرطة السياحة، ليس إلا عنفًا مستمراً من إدارة الأبراج تجاههم وجهات مختلفة من الدولة مثل محافظة القاهرة وصندوق تطوير العشوائيات وقسم شرطة بولاق أبو العلا. 

 

"في 5 مليون مُنشأة مخالفين، طبقاً لكلام الدولة .. فسابو الخمسة مليون وجم لفهمي اللي هو مصاب في الثورة"

فهمي وعبود ولاد خالة من منطقة كوم غراب في حيّ مصر القديمة، اشتركوا في ثورة يناير وانضمّوا لمتظاهرين جامع عمرو بن العاص يوم ٢٨ يناير ٢٠١١، أصيب الإثنان وفقد أحدهما إحدى عينيه. حاولوا سلك جميع السبل أن يكملوا حياتهم ويستفيدوا من "المكاسب الثورية" وكان إحداها هو السماح لمصابي الثورة بالحصول على تراخيص من إدارة محافظاتهم بإنشاء أكشاك للتجارة في محال سكنهم. بسبب تغيير المحافظين والارتباك في إدارة الدولة، تأخّرت التصاريح الرسمية لأحدهم، فبني كشك وبدأ في التجارة. تحوّلا الاثنان لشهود في قضايا قتل وإصابة متظاهرين يناير رقم ٦٥٦٢/٢٠١١ مصر القديمة. يوم ٢ أكتوبر ٢٠١٢ كانت إحدى الجلسات في القضية أمام دائرة ٩ والمنعقدة في التجمع الخامس. قبل انعقاد الجلسة بعشرة أيام تقريباً، طلب ضبّاط قسم مصر القديمة من فهمي وعبود تغيير شهاداتهم وأن يشهدوا لصالح الضبّاط. "مينفعش الدم يروح هدر" كانت الجملة التي عبّر بها أحدهم عن رفضه لتغيير شهادته أمام المحكمة، وعليه توجّه الضباط والعساكر إلى محل عمله ودمّروه وسرقوا محتوياته بدعوى أنه مُنشاة مخالفة، رغم وجود العديد من الأكشاك والمحلات المخالفة بنفس المنطقة والشارع. منهجة العنف تجاه سكان الحضر بدعوى مخالفتهم للقوانين مازال يحمل في طيّاته أسباب مختلفة عن السردية السائدة والتي تتبعها الدولة في الإعلام.

عمليات الإحلال الطبقي العمراني والمرتبطة بإجراءات وقرارات سياسية واقتصادية للقاهرة حولها لعاصمة مركبة ومليئة بالتعقيدات. منظومة الاقتصاد السياسي للدولة الحديثة جعلت التركيبات أعقد، حيث حوّلت مناطق عمرانية بأكمل ساكنيها من وضع المواطنين إلى موضع المجرمين في نظر الدولة ومنها لنظر المجتمع الذي يتبنّى في مفراداته اليومية السرديّات المفروضة عليه والتي تٌشعره بأمان زائف في تفسير المشاكل اليومية. لا يمكن إنكار حدوث إدراك مختلف لفكرة الدولة ودور إدارتها في حياة المواطنين في ٢٠١١ مع ثورة ٢٥ يناير، لكن مع الانحسارات السياسية وعسكرة الدولة بشكلٍ ملحوظ، انحسرت ثورة المجتمع عن أفكار وأحلام في إدارة أكثر عدلاً ومساواة في الخدمات المُقدّمة لمواطنيها. وعسكرة الدولة شكّلت عسكرة للعمران والفضاءات العمرانية[4]، وتحوّلت الخطط العمرانية الرئيسية والمشاريع الكبرى لإدارة الهيئة الهندسية للقوّات المسلّحة بدعوى حيويّة المشاريع وخطورتها مثل مشاريع قناة السويس، طُرق السيسي، العاصمة الإدارية الجديدة، "القضاء على العشوائيات". كما اشتملت العسكرة استخدام قوّات الجيش المصري بجانب سلاح وزارة الداخلية كمُنفّذين لقرارات عمرانية داخل حدود القاهرة. وانتشرت قوّات الجيش والداخلية معاً في شوارع وسط المدينة لإخلائها من الباعة الجائلين[5، وعليه أصبحت جميع الممارسات العنيفة ضدّ الباعة وضدّ السكان مقبولة مجتمعياً بدعوى مخالفات عمرانية تضرّ بالصالح العام.  

منذ الثمانيات والتسعينات شملت الدراسات الحديثة للتطوّر العمراني للقاهرة، خطاب استعلائي عن ساكنيها، انعكس هذا الخطاب وتُرجم إلى نظريّات تنمويّة ونظريّات التطوّر الخطّي. والتي أصبحت أكثر التفسيرات قبولًا وانتشاراً تفسّر تضخّم القاهرة ومنه نزوح سكان الريف للمدينة وبناء مجتمعات سكنية على الأراضي الزراعية. وهو تفسير أحادي وتنموي ولم تشمل معظم تلك الدراسات نقدٌ لسياسات الدولة ومركزيتها وحرمان سكانها من الخدمات الأساسية والتي هم حقهم كمواطنات/ين في الدولة المصرية، ولم تتساءل معظم تلك الدراسات عن توزيع الثروة واقتصاد الدولة وكيفية إدارة الدولة لمواردها. بل وتركّزت الحلول في حملات لتنظيم الأسرة وتحديد النسل للحدّ من التكاثر. ما زال هذا الخطاب مستمراً ويحتوي تبريرات عدّة للحكومات في الاستمرار في بناء مجتمعات سكنية جديدة في الصحراء، وحول حدود المدينة المعمورة بهدف نقل سكّان مناطق بُنى الأهالي لها وهي خطة الدولة والمنعكسة على سياساتها. وعملية إعادة التسكين تحتوي آلاف من المخالفات المتضمنة عنف ممنهج ومباشر ضد المواطنات/ين. نسمة وعمار وعمرو وفهمي وعبود هم أمثلة لأشخاص تعرّضوا لعنف المدينة وحياة الحضر، الإرادة السياسية والاقتصادية لخطط  تطوير المدينة تُبرّر العنف اليومي تجاه ساكنيها. المشي في شوارع القاهرة مثال لعنف المدينة ضدّ ساكنيها، بل هو عنف يتبع سوء إدارة المدينة. 

سنوات عديدة مرّت على معرفتي بحكاية نسمة وغيرها، ولا أستطيع التوقف عن الكتابة عنها أو إعادة قصّها في محاضرات عامة. فيينا داس هي  كاتبة أنثروبولوجية، حاصلة على درجة الدكتوراه وتتضمّن كتاباتها تحليلات للعنف من أبحاثها الميدانية في الهند. شرحت فيينا داس في كتابها لعام ٢٠٠٧ في إحدى الفصول فكرة العنف الاعتيادي، وكيف أن التقاطعات المختلفة للعنف بأنواعه في الحياة اليومية تتضمّن اعتياد لهذا العنف من قبل المتعرضات/ين له. قد يتصوّر البعض أن معنى كلمة العنف تتطرق فقط للعنف الجسدي المباشر، ولكني في هذا المقال أتناول العنف بمختلف أنواعه وتقاطعاته. فجميعنا نتعرّض للعديد من مظاهر العنف وأشكاله في حياتنا اليومية. بدءاً من التوقّف في إشارات المرور في شوارع المدن، أو صعوبة التنقل من مكان لآخر أو ممارستنا في حقوقنا المدنية في الحياة ووسط علاقات قوى مركبة. مفاوضاتنا اليومية في المجال العام سواء السياسي أو الاقتصادي او الاجتماعي، ومهما اختلفت مواقعنا وسبل تمكيننا في مجتمعاتنا فإننا نتعرض لتعنيف يومي، وبالقياس على مسطرة الامتيازات والتي تشملنا جميعا باختلاف مواقعنا الطبقية والجندرية والدينية والعمرية والعرقية والجنسية والجنسانية، نجد أن الكل باختلاف مواقعنا معرّضات/ين يومياً لمختلف أشكال العنف وأنواعه بل ونطبع معه ونعتبره شيء اعتيادي ونبحث عن أدوات وطرق للتعايش معه حتى نستطيع الاستمرار. 

  الصورة المستخدمة رسم: نوران المرصفي، المصدر: ١٠ طوبة| التغير النشـاطات ، التهميش و علاقات القوى في رملة بولاق، سيناريوهات التغيير العمراني و الاجتماعـي، يناير ٢٠١٦.


[1] http://dar.aucegypt.edu/handle/10526/3959

 

[3]  http://arabi.assafir.com/Article/4321 "بُنى أهالي" وليس عشوائيات …   

 

[4]  http://arabi.assafir.com/Article/25/4326   فضاءات القاهرة بين الارتقاء والعسكرة …  

 

[5]  http://arabi.assafir.com/Article/25/5228 مصر: "الفراغ العام" بين الباعة الجائلين والشرطة …  

 

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك