ثقافي ليست الأمور كما تبدو

ليست الأمور كما تبدو

-

- Advertisment -

المعرفة هي صور في العقل، تبنى على ترجمة العقل المفهومة للحواس. مثل الكلمات التي تُسمع وتُقرأ، والروائح التي تُربط بمُصدِرها والأطعمة التي تُربط بالمواد. لا يمكن بناء معرفة على ترجمة غير مفهومة للحواس، مثل سماع الموسيقى؛ الموسيقى نحسّ بها ولا نفهمها. لا يمكننا، كذلك، تخيّل ما هو خارج تجربتنا الحسّية، مثل تخيّل صوت لمخلوق غير موجود دون استعارة صوت سمعناه سابقا، ربما من مخلوقات موجودة، أو تخيّل رائحة نبتة من خلال صورة دون تقريبها لرائحة سبق ومرت علينا. لا يمكن للإنسان أنَّ يخلق، بل أنَّ يعيد التشكيل.

الواقع المحلّي الحديث، الذي سنسميه "ما بعد الجدار"، يختلف عن أي آخَر سابق. يختلف، بناءً على ذلك، الجيل الذي أُنجب في هذا الواقع. رغم ذلك، فإن معرفته المقيدة حسّيا بعيدة وجاهلة لحقائق الأزمنة السابقة. يعود هذا لقلة إمكانية التجربة الحسّية من جهة، ولضياع حقائق الأجيال السابقة لسببين: امّحاء الواقع حسّيا كما مكان، وامتناع الأجيال السابقة عن الحديث حوله ونقل معرفتهم لجيل الجدار. ينتج عن ذلك انحصار المعرفة الفردية في المعرفة الجماعية للجيل الجديد، القادمة من التحليل الخاطئ للمحيط ومن المصادر التي تستهدف هذه المعرفة لأجل مصالح اقتصادية للنظام المعولَم الجديد. تبزغ إلى الوجود، في النهاية، صورة خيالية للماضي، معرفة وهمية بالعالم، وفهم مجنون لكل شيء.

يمكن لمعلومة صغيرة، مثل أن الحجاب في فلسطين لم يكن له وجود قبل جيلين، أنَّ تشكك فرد من جيل الجدار بصورته المتخيَّلة عن الحضور الإسلامي وتاريخه. أو مثل أنَّ النسل الفلسطيني جذوره تتأصل جزئيا من كريت، الجزيرة اليونانية الواقعة في البحر بعد تل أبيب، بعد أنَّ نفى الفرعون قبيلة فلستيا فاستقروا في "فلسطين" وأنشئوا مُدنَ عسقلان، وأشدود، وجات، وغزة وعقرون، ولم تتحدث فلسطين باللغة العربية في تاريخها قبل الاستعمار الإسلامي.

هنالك معلومات يعرفها الجيل السابق تفاجئنا باستمرار؛ كان أول عمل أوبيرالي عربي مسرحية فلسطينية بعنوان "عنترة وعبلة"، في أواخر القرن التاسع عشر – بينما يتخيل الجيل الحديث أنَّ التطور والفن كانا بعيدين كل البعد عن مجتمعاتنا التي يصوَّر أنَّها كانت فلّاحة وحسب. كانت المقاومة الشعبية في المجتمعات المحليّة شبه منعدمة قبل الانتفاضة الأولى، حتى أنَّ جيش الاستيطان كان يدخل القرى دون أدنى جلبة ويجلس الجنود (عربدة) مع رجال البلد وتقدَّم لهم الضيافة – بينما يصوَّر لنا اليوم أنَّ الحرب موجودة في حياة الإنسان الشخصية منذ الأزل، وأنَّ التطبيع والمعايشة لا سوابق لها إلا حديثًا. كانت هنالك مطارات متعددة في فلسطين، مثل خانيونس وجنين وقلنديا ورفح، منهما اثنين دوليين – بينما الغالبية من الجيل الجديد لم يسبق ورأوا مطارا أو تخيلوه في فلسطين، أو تخيلوا أن تكون فلسطين اصلًا. كان اللباس الطبيعي للنساء في المجتمع هو تنّورة وشال على الرأس، بينما تظن الغالبية أنَّ الحجاب موجود منذ محمد حتى اليوم، وأنَّه لم يسبق أنَّ تجولت المرأة العربية بملابس "كاشفة". كانت قصات شعر الرجال في الأجيال السابقة متوسطة الطول على طويلة، أما القصات الحديثة للشباب هي يهودية وغربية، مثل القصة "الروسية" و"المارينز" العسكرية، وزادت المدارس انتشارها لأن الأنظمة التعليمية كانت محكومة من الخارج منذ بدايتها.

في ظل أننا نجهل معلومات كتلك، أو نكتشفها بدهشة في وقت متأخر، أو حتى نعلمها ولكن تجلها الأغلبية، ماذا لدينا أيضا من فهم خاطئ عن الماضي؟ وبناءً عليه أيضا فهم خاطئ وعدم إدراك للحاضر وما تغيّر في فترة لا تزيد عن ثلاثين سنة؟

قد يعني هذا أن شيئا لم يُكتب عن الحقيقة، ومعلومة واقعية لم توثَّق عن الحاضر. أن تفكيرنا معرّىً من إرثه ووعي البشرية السابق، وان علينا أنَّ نقول أشياءً لم تقال ونكتب ما لم يُكتب، أن نفكّر فيما لم يخطر على البال بعد لئلا نكون متأخرين عن السرعة التي يجري بها الحاضر – ولئلا تُقطع المعرفة التراكمية عندنا. علينا أن نفكك كل شيء ونبنيه مجددا بطريقة منطقية.

على الإنسان أنَّ يجتهد حتى يبقى على قيد الحياة، وكان هذا هو الحال منذ خُلقت؛ بدأ بصيد الحيوان وأكله، وتطور بعد دهور لاستئلاف الماشية والدابة، ثم يقال بأنه ابتداءً من حضرموت اكتشف الزراعة ونقلها اليمنيون إلى الحضارة البابلية في العراق، أصل الحضارة. قفزا إلى فلسطين قبل عهود قليلة، عاش الإنسان على هذا النظام نفسه، حتى قدوم التعليم والأكاديميا التي لا يزيد عمرها عن مئتين عام في العالم أو خمسين في المناطق الشعبية المحلّية. تحوّل النظام من زراعي وشيوعي، بمعنى شياع الأرض للجميع والملك فقط لمن يزرع – كما كان نظام قرانا قبل جيل فقط –، إلى التوظيف التخصصي حيث على كل فرد أنَّ يتخصص في مهمة ما – وعلى ذلك عليه أنَّ يدرس هذا التخصص ويترك الأرض. والتخصص في شيء ما هو ابتعاد عن الكلّ. كل هذا حقائق بسيطة ومعروفة، ومع ذلك مجهولة.

كل تغيير آخر تولّد من هذه النقلة في نظام الحياة. ترى، مع ذلك، أنَّ الجيل الحديث لا يدرك أنَّه الأول في تاريخ الإقليم الذي يعيش حسب هذا النظام الجديد. مؤخرًا، تفاجئ رجل أربعينيّ بأنَّ جيلي لا يعرف شكل نبتة السمسم وكيف يستخرج ويجفف. فقد انتقل المجتمع من الاعتماد على الطبيعة إلى الاعتماد على الاقتصاد، وهذا اعتماد هشّ وخطير كما رأى العالم في أزمة 2008، وقد ينتهي مجتمع كهذا في أيام قليلة في حال انهيار لهذا الاقتصاد دون وجود مقومات حياة أساسية بديلة – ومن هنا تألفت أسطورة القوة الأعلى للدولة التي ستعتني بصغارها؛ الضمان الاجتماعي، الفكرة بأن هنالك نظام سيرعى الفرد مهما حصل وتبلور الرؤية بأن الحياة أصبحت آمنة وخالية من الموت، باستثناء الصُدف والحوادث.

كان الجيل السابق يمضي يومه في الوديان والجبال وينام في الخلاء. لم تكن هنالك تلفزة، Tele-vision، أي بصيرة منقولة، لذا كانت بصيرة العين هي الوحيدة ولا بصيرة مخيَّرة أو بديلة لها. "بقا في راحت تعريص!" (راحة بال)، قال الأربعينيّ، وكانت الينابيع والحقول تغني عن الاتكال المؤسساتي. كان النبات يؤكل، يتحول إلى لحم، ثم يموت الجسد ويصير ترابًا يزرع فيه نبات.  أما الآن فالأكل، حتى الطبيعي منه والمزروع، تحول إلى سلعة تستبدل صحة الجسم بالأرباح؛ تعلّبت المأكولات وأصبح الجسم الإنساني نفسه مكوناته كيميائية. استبدلت الرياضة والحركة في الخارج بالنوادي الرياضية المغلقة، حيث يجلس المرء في ماكينة تزيد من كتلة جزء معين من الجسم. كانت الأمراض في السابق تأخذ حصة كبيرة من العائلة، يموت مثلا من الثلاث عشرة طفلا تسعة، فكان الإنجاب أقل خطرًا على التعداد السكاني، بل أكثر أمانًا، بينما اليوم فيصدف مجرد صدفة أنَّ يموت أحد أبناء العائلة بسبب الأمراض القديمة نفسها التي كانت ترهب الناس سابقًا. كان الروتين اليومي يختلف تمامًا، فكانت ساعات النشاط مرتبطة بالشمس، وبعد المساء ينام الجميع ليستيقظوا مع النادى. أما اليوم فإن الأطفال ذوي الثانية ينامون في الساعة الثانية ليلا. تحول الحافز الفني العربي والروح الشاعرية المسماة بـ"الطرب" إلى دعايات رقمية وصراع شهرة ومال.

يبست الأراضي، وسادت عليها الأشواك والحشائش ومات التراب. جفّت الينابيع وحفرت الشوارع من فوقها، ووصلت الأحراش، وتفجّرت رؤوس الجبال لاستخراج حجر البناء لمنازل الخلفة المتزايدة. حُذف البحر من الوعي وحلّ الجدار، وأصبحت المراقص وبائعات الهوى تسكن عوالما نقيضة لا وجود لها، لا سبيل لوصولها، فارتقى الكبت الجنسي والاختلال النفسي إلى أعاليه. تباع الأراضي لبناء البيوت الإسمنتية، وتضحي الذُريّة مصدر عمال مستعبدين لروما الجديدة، ليتكرر التاريخ بعد آلاف السنين ويظهر فرعون الأمريكي التجاريّ، العم سام، هو وأعدائه، ليقودونا إلى النهاية. فهل ستزور مدننا الكبيرة، مثل الغابة الإسمنتية نيو يورك، حضارات بعدنا وتراها كما نرى الأهرامات؟

هل سيتحول الكوكب إلى كرة إسمنتية، وتتكرر حكاية قبائل الأباتشي وحضارات الإنكا والمايا والآزتيك مع كل الشعوب؟ وتندثر أساطير الجاهلية والمعلقات تحت التراب، أعمق في الأرض من جثث شعراءها؟ ويطغى الوهم الذي أدخله الغرب وإسرائيل عن طريق عملائها إلى الوعي، الوهم المسمى بالتاريخ المُدرَّس والعولمة والدولة والوهم الذي يُعرف اليوم بالإسلام؟ أم هل ستبتلع الأرض كل شيء وتعود إلى نظامها…

 

"صار الناس من زجاج، نرى عبره

بينما لا نراه

كل ما كان عميقا في الشعور

انتهى

فلنبحث عن سواه"

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك