سياسي من بنى جبل صهيون؟ العمالة الفلسطينية وقضية الحقوق...

من بنى جبل صهيون؟ العمالة الفلسطينية وقضية الحقوق السياسيّة

-

- Advertisment -

ننشر هذا المقال المترجم عن الإنجليزية، لعالم الاجتماع البريطاني أندرو روس، ضمن ملف "العمارة والسلطة"، ورغم تحفظنا على طرح المقال السياسي، لكن ننشره للمساهمة في الاطلاع على النقاشات القائمة ولفتح المجال للرد عليها.

ترجمة: هند بطة

من بنى إسرائيل؟ الطليعة بالطبع. الرجال والنساء غير المعتادين على العمل اليدوي الماهر، الذين شغَّلوا خلّاطات الاسمنت، وحملوا مجارفاً في أيديهم ووازنوا قطع الطوب بشكل غريب على أكتافهم، الذين صنعوا من أنفسهم "يهوداً جدد" من خلال كدحهم لصنع الأمة. كانت هذه، على الأقل، هي عقيدة الصهاينة العماليين الأكثر شهرة (بير بوروشوف، أ. جوردون، يوسف برينر، ديفيد بن غوريون، غولدا مائير، وبرل كاتزنلسون) الذين روَّجوا لهذا العمل الشاق كطقس لـ"العبور" وكمتطلب لاسترداد أرض شعب آخر كما لو كانت لهم. ومن خلال الاعتماد على تاريخٍ إثني مختلف، كانوا يبشرون بنسخة جديدة من نظرية العمل التي وضعها جون لوك حول القيمة (العمل في أرض ما يمنحك حقوق ملكيَّتها)، وهي عقيدة وجدها المستعمِرون المستوطنون عقيدةً قابلةً للاستعمال لنزع ملكية السكان الأصليين في أمريكا الشماليَّة. ما تزال كيفية استيلاء المستوطنين اليهود على ملكيَّة مساحات واسعة من الأرض الفلسطينيَّة، في ذلك الحين وحتى الآن، المصدر الدائم للنزاع والغزو والمقاومة في السنة الحادية والخمسين للاحتلال [احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة] – وتمتد الحصيلة التراكميَّة للنكبة (الطرد الجماعي لأكثر من نصف السكان العرب من قراهم وأراضي أجدادهم) لعامها السبعين.

إلّا أنَّ الجزء العمالي من هذه القصة بقي غامضاً لفترة طويلة، وكان غموضه نابعاً من "الرومانسيَّة الزراعيَّة" التي أحاطت بالكيبوتسات الجماعيَّة. وفي حالة المستوطنات الحضرية، كان هناك وضوح أقل. من الذي بنى بيوت جبل صهيون بالفعل؟ المهاجرون الأوائل/ المبتدئون، الذين بصفتهم اشتراكيين صالحين، طالبوا بحقوقهم، لتكون مساوية لأجور"الأوروبين" وليس "الشرقيين"، من أرباب العمل اليهود في اليشوف؟ أم هل كانوا العمال الفلسطينيون الأرخص أجراً والأكثر قدرة، ذوو السياسات الأقل حدة، والذين لديهم سنوات من خبرة البناء في المنطقة؟ ولماذا يُعتَبر هذا السؤال مهماً اليوم؟ بالتأكيد، يمكن لمراجعة الحسابات أن تساعدنا على تصحيح السجل التاريخي، الذي ما يزال يزخر بالأساطير القوميَّة، ولكنَّها قد تغذي أيضاً النقاش السريع التطور حول الحقوق المدنيَّة والسياسيَّة في سيناريو "الدولة الواحدة" الذي يتم طرحه الآن. ما هي أنواع الحقوق التي يجب أن يحصل عليها الفلسطينيون منذ قرن أو أكثر من الكدح الذي كرّسوه للبناء المادي لما قبل الدولة الصهيونيَّة "إسرائيل"، والمستوطنات، والأراضي المحتلة؟ وما هي أشكال التعويض الإضافيَّة لشعب تم تصميمه لدخول قوة عاملة إجباريَّة بعد النزوح والاحتلال؟

قرن من البناء

على الرغم من الجهود التي بُذلت، في فترة سابقة أو لاحقة، لاستبعادهم من مهن البناء، إلا أنَّ الفلسطينيين لعبوا دائماً دوراً أساسياً في بناء "الوطن القومي" الصهيوني. وقد كان هذا هو الحال منذ مطلع القرن العشرين عندما كان اليهود من فلسطين العثمانيَّة، سواء الـ"مزراحيين" [اليهود من البلاد العربية] الذين تم استيعابهم بشكل واسع، أو الصهاينة الأشكناز الانفصاليون بشدة، يعتمدون على مهارات ومواد البناء العربية المتقدمة. وتمَّ تكثيف المساهمة العربية في البناء خلال موجة التحديث الاقتصادي الطويلة في ظل الانتداب البريطاني، واستمرت بعد عام 1948، عندما استخدمت الدولة الإسرائيليَّة العمالة العربيَّة لاستيعاب تدفق المهاجرين اليهود. منذ العام 1967، عندما تمَّ ضمان الضفة الغربيّة كمستودع للعمالة الرخيصة، ثبت أنَّه من الصعب زعزعة اعتماد "إسرائيل" على العمال الفلسطينيين من الضفة الغربيَّة وغزة. يوجد اليوم عمال فلسطينيين في "إسرائيل" أو في مستوطنات الضفة الغربيَّة بشكل أكبر من أيِّ وقت مضى، وهم يسيطرون على قطاع وظائف البناء "المبتلة" [1] (الاسمنت، وأعمال الحجر، والدهان، إلخ) متدنية الأجور. لذلك، وبالإضافة إلى ما سبق شهد نصف القرن الماضي اعتماداً متزايداً على الحجر من رواسب الحجر الجيري الغني في المرتفعات الوسطى في فلسطين، حيث أغلق أصحاب المحاجر في "إسرائيل" مصانعهم، أو نقلوها عبر الخط الأخضر (حدود الهدنة عام 1948 أو حدود ما قبل العام 1967) للتهرب من القوانين البيئية والعماليَّة.

يتم تحريك المنتَج الحجري عبر نقاط تفتيش مختلفة عن تلك التي يصطف العمال الذين يحملون تصاريح وينتظرون ساعات لعبورها في أكثر الظروف إذلالاً. على الجانب الآخر من الخط الأخضر، يتعرض العمال للإيذاء والاعتداء من الإسرائيليين، سواء من أصحاب العمل أو المواطنين العاديين، وليس لديهم سوى القليل جداً من الحماية القانونية، ناهيك عن حقهم في الوصول إلى النقابات، على الرغم من أنَّ الهستدروت (الاتحاد العمالي الرئيسي في إسرائيل) أقام مؤخراً قسماً صغيراً لمعالجة مصادر الاستغلال التي لا تعد ولا تحصى، والتي يتعرض لها هؤلاء العمال: سرقة الأجور، أماكن العمل غير الآمنة، ورسوم الوسيط، وإهمال/تأخر صاحب العمل لاشتراكات التأمين الاجتماعي. تنطبق الظروف ذاتها في مستوطنات الضفة الغربيَّة، حيث يُمنع تدخل النقابات الفلسطينية، على الرغم من أنَّ النقابة العمّالية المستقلّة "معاً"، بدأت بتنظيم العمّال بنجاح في بعض المواقع. وسواء داخل الخط الأخضر أو ​​داخل المستوطنات، يدل امتياز أصحاب العمل للتوصية بأن تلغي السلطات تصريح عمل العامل، لأي سبب يرون أنه مناسب، على حالة السخرة.

منذ أوائل القرن العشرين وحتى يومنا هذا، اتخذت الجهود الصهيونيَّة الهادفة لاستبعاد الفلسطينيين من مهن البناء أشكالاً متعددة، رغم فشلها مع مرور الوقت. فخلال عهد الانتداب (29 أيلول 1923 – 15 أيّار 1948)، هدفت سياسة "العمل العبري" للاستخدام الحصري للعمّال اليهود في منشآت الأعمال المملوكة لليهود. ولكن نظراً لتفضيل أصحاب العمل، وخاصة في مجال البناء، العمال العرب الأرخص والأكثر كفاءة، فإنَّ تطبيق هذا الحظر بالرغم من أنّه كان مدعوماً بالقوة، حقق نجاحاً جزئيَّاً فقط. خلا قطاع البناء من القوى العاملة العربيَّة في السنوات التي تلت عام 1948 مباشرة فقط، عندما كان الفلسطينيون الذين بقوا في الدولة الإسرائيليَّة الجديدة تحت المنع العسكري، وعندما استُعيض عن العمالة العربيَّة بالعمالة الرخيصة من اليهود المزراحيين القادمين من الدول العربيَّة كبديل. ومع ذلك، في غضون بضع سنوات، عاد الفلسطينيون الذين يعيشون في "إسرائيل" مرةً أخرى إلى مواقع البناء، وبعد عام 1967، انضم إليهم إخوانهم من الضفة الغربيَّة بشكل جماعي. وفي ذروة عصر الحدود المفتوحة (الذي انتهى في أوائل التسعينيات)، كانت 40% من القوى العاملة في الأراضي المحتلة موظَّفة داخل الخط الأخضر، يعملون بشكل أساسي في البناء، ويشكلون حصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي (GDP). حتى بعد أن فرضت السلطات الإسرائيليَّة عقوبة جماعية خلال الانتفاضة الأولى (1987-1991) بإلغاء معظم تصاريح العمل الفلسطينيَّة واستيراد المهاجرين من الخارج (من رومانيا، وبلغاريا، وتركيا، وبولندا، ونيجيريا، والصين) كقوة عاملة بديلة، لم يتمكنوا من القضاء على تفضيل أصحاب العمل للعمالة الفلسطينيَّة. بلغت أعداد هؤلاء العمال المهاجرين ذروتها في أوائل الألفين من القرن الماضي قبل حملة ترحيل "التهديد الديموغرافي" أي أطفالهم المولودين في "إسرائيل".

يتضمن المخزون الطويل للعمالة الفلسطينيَّة حصة رئيسية في بناء البنية التحتية الحديثة في ظل الانتداب البريطاني (طرق، وسكك حديديَّة، وموانئ، وخطوط اتصالات، ومطار، وأشغال عامة أخرى)، وبناء تل أبيب كـ"أول مدينة عبريَّة"، وإقامة جميع البلدات والمدن العربية التي كانت تحت السيطرة الصهيونيَّة بعد النكبة، والمدينة دائمة التوسع القدس "الموحدة" والقدس الكبرى، والمستوطنات ذات البيوت المغطاة بالقرميد الأحمر على تلال الضفة الغربية، بالإضافة إلى شبكة الطرق الالتفافية، والجدران الفاصلة، والطرق السريعة، وغيرها من البُنى الأمنية. أخيراً، كان للعمال الفلسطينيين دور حاسم في تأسيس معظم الأصول الثابتة على الأرض الواقعة بين نهر الأردن وساحل البحر المتوسط.

بحلول الربع الأول من العام 2017، كان عدد الفلسطينيين من الضفة الغربية الذين يوظفهم "إسرائيليون" قد تجاوز مستويات ما قبل الانتفاضة، حيث وصل إلى ما يقارب 140 ألف داخل الخط الأخضر و24 ألف في المستوطنات، إضافة إلى الكثيرين منهم الذين يعملون هناك دون تصاريح. وتماشياً مع الصيغة الاستعماريَّة القديمة وظائف من أجل السلام، فإنَّ تضغط شخصيات رئيسية في إدارة نتنياهو من أجل زيادة كبيرة في عدد التصاريح الصادرة. ويأتي هذا الطلب أيضاً نتيجة نقص المساكن في "إسرائيل". في العام 2016، توقَّع المجلس الاقتصادي الوطني الحاجة لبناء 1.5 مليون منزل إضافي قبل عام 2040.  ونظراً إلى أنَّ التكلفة الشهريَّة الإجماليَّة لاستخدام العمالة المسافرة يومياً من الضفة الغربية تقل عن نصف تكلفة العامل الإسرائيلي أو المهاجر (بالإضافة إلى سرقة الأجور الروتينية، فالعمالة الفلسطينية من الضفة الغربية لا تتطلب مصاريف إسكان ولا تضع أي أعباء اجتماعيّة أو معيشيَّة على المجتمع الإسرائيلي)، تضمن هذه الحاجة طويلة الأجل للسكن فعلياً طلباً متواصلاً على عمال البناء الفلسطينيين.

نحو مستقبل "لا" استعماريّ:

كيف يمكن الاعتراف بهذه المساهمات الهامة ضمن النقاش السياسي حول مستقبل أراضي فلسطين التاريخيَّة؟ هل يجب اعتبار المطالبات الناشئة عن هذا السجل الطويل من المشاركة في العمل جزءاً من تسوية "الوضع النهائي" بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟ توقفت المحادثات حول التسوية الدائمة منذ أكثر من عقد من الزمان، ويبدو أنَّ العودة إلى طاولة المفاوضات هي احتمال بعيد في الوقت الحالي، لكن إذا استؤنفت فستظل المسائل الشائكة المتمثلة في استرداد الممتلكات والتعويض عن الخسائر المعنوية، وحق العودة للاجئين مطروحة. في العقود الأخيرة، وفي أعقاب التعويضات الألمانية عن الأضرار والخسائر اليهودية في زمن الحرب، عولجت كل حالة دولية لحل النزاعات مطالبات السكان المهجَّرين ارتباطاً بتلك الخسائر.

هذا النوع من العدالة التعويضيَّة يتعلق في المقام الأول بسداد ديون الماضي، ولكن كيف يمكن لمثل هذه العلاجات أن تساعد بشكل مباشر في رسم شكل مختلف للمستقبل؟ في الوقت الذي تمنع فيه سياسات إدارتي ترامب ونتنياهو أي احتمال لتقسيم عملي، ومع بناء زخم ثابت وراء رؤية ما لإقامة دولة واحدة ديمقراطية داخل حدود الأرض ذاتها فلسطين الانتدابية، فإنَّ الافتراض بأن الإنصاف المكتَسب من بناء الدولة يترجم إلى حقوق سياسية داخلها يجب أن يصبح أكثر قبولاً. 

عادةً، لا ينطبق مبدأ المساواة في الكدح/ الجهد إلّا على القيمة المكتسبة من استثمار المالك الشخصي في الجهد. يُنظَر إلى كدح العامل المأجور في نفس المبنى أو المشروع على أنَّه مسألة تعاقديَّة محدودة للغاية، منفصلة تماماً عن حقوق الملكيَّة وحقوق الاستخدام. ولكن ماذا لو لم يتم التعاقد بشكل حر مع العمال المعنيين، وبدلاً من ذلك تم تقييدهم بقيود مشددة تُفرَض عليهم من قبل مجموعة أصحاب العمل؟ وماذا لو كانت الأرض التي أُمروا بالعمل فيها قد تم الاستيلاء عليها قسراً من أصحابها الذين هم شعبهم؟ بشكل فردي، قد تدعم أدلة عدم المساواة هذه المطالبة بالتعويض، لكن المحنة الجماعية للعامل الفلسطيني تحت الاحتلال تستحق رؤية أطول ومنهجاً مختلفاً لتحليلها. إنَّ القيمة الإجماليَّة لمساهمة العمالة الفلسطينيَّة في الأصول التي حصلت عليها الدولة تبرر المطالبة بالسيادة الإقليميَّة والحقوق السياسيَّة الكاملة والمواطَنة. إذ صُممت السياسات الإسرائيلية، على الأقل منذ عام 1948، لجعل هذه المساهمات إلزامية. ففي ظل الاحتلال، تم قمع التنمية الاقتصاديَّة في الضفة الغربية وغزة بشكل منهجي. وفي الوقت الذي وصلت فيه الأجور الإسرائيليَّة لتكون أعلى بثلاثة أضعاف، يتعين على الفلسطينيين شراء سلعهم الاستهلاكيَّة بأسعار إسرائيليَّة، وبالتالي فإنَّ معظم الأسر ستنهار دون التحويلات الماليَّة التي يعيدها أفراد الأسرة عبر الخط الأخضر. وواقع أنَّه وبالنسبة للكثير من الفلسطينيين لا بديل سوى العمل لحساب محتَلهم، يعزز الحل الذي يتضمن الاعتراف السياسي بهم كمواطنين كاملين في دولة موحَّدة.

بموجب قراري الأمم المتحدة 194 (1948) و3236 (1974)، فرض النقل القسري للفلسطينيين من أراضيهم ومنازلهم في عامي 1948 و1967 مسؤوليات على "إسرائيل" للاعتراف بحق المالكين الأصليين في العودة إلى ممتلكاتهم. بعيداً عن حدث تاريخي واحد – نظراً لكونه حدثاً مستمراً حتى يومنا هذا في كل فعل من أفعال المصادرة والهدم والإخلاء – وسَّعت النكبة المستمرة هذه الالتزامات، مضيفة بنود جديدة إلى قائمة الأخطاء التي تُشكِّل أرضية للمطالبة بالاسترداد والتعويض في أي تسوية نهائية. واحدة من أكثر المظالم امتداداً وتواصلاً، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "النكبة المستمرة"، كان خلق قوة عاملة تابعة وغير حرة بأي معنى وظيفي للمصطلح.

قد تبدو القيود الشديدة المفروضة على سبل عيش الفلسطينيين اليوم، بعيدةً زمنيَّاً أو منفصلة عما بدأ منذ العام 1948، ولكنها جزء لا يتجزأ من خطة النكبة غير المكتملة المتمثلة في المصادَرة، والطرد، ونقل الملكيَّة. في الواقع، كان النموذج الأولي لضوابط العمل هذه هو المعاملة للفلسطينيين الذين يعيشون في "إسرائيل" مباشرة بعد العام 1948، الذين خضعت حركتهم المحدَّدة للأمر العسكري. ومن خلال فلترة قيود السفر المشدَّدة، تم توفير العمالة المخفَّضة لأول مرة لأصحاب العمل اليهود منذ أوائل الخمسينيات. في وقت لاحق، أثناء الاحتلال، فُرضت هذه القيود على العمال من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتم التحايل لتطبيقها من خلال تطوير نظام تصاريح معقَّد، وقيود واسعة على الحركة، والسجن الجماعي، والتعذيب، وسرقة الأجور، وأساليب المراقبة المتطورة، والضبط، والإذلال الذي يمارس عند نقاط التفتيش. وباستخدام استراتيجيَّة التهدئة الاقتصادية (وظائف مقابل الإذعان، وفي بعض الحالات، التعاون مع شين بيت (جهاز الأمن الإسرائيلي)، وأسلوب العقاب الجماعي (إغلاق الحدود، وهدم المنازل، وإلغاء التصاريح رداً على الانتفاضات أو أفعال المقاومة المستقلة)، تمكنت السلطات من ضبط إدارتها للحاجة الوجودية للفلسطينيين للوصول إلى سوق العمل الإسرائيلي.

لم تنتج هذه "الحاجة" في أي وقت من خلال سوق عمل تنافسي. أعاق صُنّاع السياسة الإسرائيليين التنمية الاقتصاديَّة في الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف واضح يتمثل في خفض الأجور، وتعزيز التبعيَّة، وإدامة الفقر. وصفت الباحثة في الاقتصاد السياسي سارة روي النتيجة بأنَّها "إفقار تنموي De-development". والنتيجة المقصودة هي أنَّه بالنسبة لمعظم الأُسَر، سيكون البديل عن العمل لدى الاحتلال هو أجر [لسد] الجوع/المجاعة. قال أحد العاملين الذين قابلتهم مؤخراً عند نقطة تفتيش على حاجز في بيت لحم: "إذا لم نعمل داخل "إسرائيل"، فسيتعين علينا أن نأكل بعضنا البعض." ونظراً إلى ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية المزمن بين الفلسطينيين، وخاصة في غزة وأجزاء من المنطقة ج بالضفة الغربية، كان تعليقه مزحة سوداء.

لقد ناضل العمال المرتهَنين بعقود أو المستَعبدين أو المضطَهدين عرقيَّاً، والذين بنوا أمماً أخرى، على أساس ذي صلة مع القضية محل النقاش، أي من أجل نوع من الاعتراف على مستوى الدولة. في الولايات المتحدة، كان العمل الشاق للأمريكيين من أصل إفريقي وإيرلندي وصيني ومكسيكي يُعتبر غالباً مبرراً لكسب الإدماج الكامل والحقوق المدنيَّة، وفي حالة السود، كسبب لجبر الضرر الاقتصادي.

غالباً ما يراهن المهاجرون، الذين لا يحملون وثائق والذين يواجهون الترحيل، عند مطالبتهم بالإقامة على مساهماتهم في العمل. على حد علمي، لم يتم رفع أي دعاوى رسميَّة من هذا النوع، وبعض التعهدات – مثل وعد الجنرال شيرمان بأربعين فداناً وبغلاً كاعتراف بحق المفرَج عنهم في امتلاك الأراضي التي عملوا فيها كعبيد – لم يتم الوفاء بها. ولكن بمرور الوقت، ساهمت القوة المعنويَّة/الأخلاقيَّة للحجة حول العدالة السياسيَّة القائمة على العمل في تحقيق القبول المدني والقانوني لحقوق هؤلاء السكان. على الرغم من عدم المساواة التاريخيَّة، وعلى الرغم من إدامة التفوق الأبيض، أصبحت الولايات المتحدة مجتمعاً متعدد الأعراق، قادراً على استيعاب مجموعة من هويات المهاجرين المختلفة.

إلّا أنَّ ذلك لا ينطبق على "الدولة الإسرائيلية" (فهي لم تعرف نفسها أبداً على أنَّها "دولة مهاجرين")؛ ويعارض المشرِّعون فيها بشدة منح أي حقوق للعمال المهاجرين، أو لأطفالهم المولودين في "إسرائيل"، ناهيك عن اللاجئين الذين يحق لهم الحماية بموجب الاتفاقيات الدولية. بموجب قانون العودة (1950)، يتمتع أي يهودي يطأ "إسرائيل" للمرة الأولى بالحقوق الوطنيَّة فور وصوله، بما في ذلك الإقامة الدائمة والمواطنة واستحقاقات وخدمات الرفاه الكامل. وعلى الرغم من قِدم وجودهم على الأرض، فإنَّ الفلسطينيين في "إسرائيل" (20% من السكان) يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية ويُنظر لهم كـ"قنبلة زمنيَّة ديموغرافيَّة"، في حين تُمنَع الحقوق المدنيَّة والإنسانيَّة الأوليَّة لسكان الضفة الغربيَّة وغزة القابعة تحت الاحتلال العسكري. أما بالنسبة للمهاجرين الذين قضوا معظم حياتهم في العمل في "إسرائيل"، وبناء المنازل والفنادق والمتاحف ومراكز التسوق في المدن والضواحي، دون ذكر الفصل في المشهد من خلال الطرق الالتفافيَّة والجدران الفاصلة والسجون، يتم تصنيفهم على أنَّهم "تهديد وجودي" للدولة "اليهودية" المحدَّدة قانونياً.

ما تزال النخب السياسيَّة في جميع أنحاء العالم تبدي اهتماماً كبيراً بالمبدأ السياسي للحكم الذاتي للدولة الفلسطينيَّة، لكن انتباه هذه النخبة انحرف عن الجزء الذي يدفع نحو الاقتراح الأكثر شراسة المتمثل في ضمان حقوق متساوية لجميع سكان دولة متكاملة متعددة الثقافات. يجادل المدافعون عن هذا الحل "اللا-استعماري Decolonial" بأنَّه من الضروري أن تكون هناك قوميَّة مدنيَّة وليست عرقية لتقديم ديمقراطيَّة كاملة في الأراضي المحتلة. إذا تقدَّم هذا السيناريو فإنَّ المساهمات العماليَّة المعروضة هنا يجب أن يُعتَرف بها كجزء من الحساب. أو كما أوضح أحدهم في مقابلة على إحدى نقاط التفتيش في الضفة الغربية: "لقد كنت أقوم ببناء المنازل كل يوم منذ ثلاثين عاماً. بطريقة ما، إنها بلدي أيضاً، أليس كذلك؟"

 


[1] مصطلح يُستخدم لأعمال البناء التي يتم استخدام الماء لإنجازها. 

المقال باللغة الإنجليزية.

 

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك