سياسي تونس: مات الرئيس … عاش النظام!

تونس: مات الرئيس … عاش النظام!

-

- Advertisment -

مقدّمة عن وفاة السبسي
مرّة أخرى، فاجأ الباجي قائد السبسي التونسيين. إذ لم ينفكّ السبسي كما يناديه أغلب الناس، أو "البجبوج" كما يدلّله محبّوه يدهش التونسيين منذ أن اكتشفوا أنّه مايزال على قيد الحياة – سياسيّاً على الأقلّ – إثر إطاحة الشعب بالديكتاتور بن علي.

فهذا السياسيّ التسعينيّ المخضرم، الذي عبر القرن العشرين بأحداثه وتقلّباته، كان قد تقاعد من السياسة منذ عقدين، ولزم بيته محاطًا بأبنائه وأحفاده، ونشر بعدُ مذكّراته. إلّا أنّ "الثورة" دعته لـ"يؤمّن قيادة البلاد نحو شطّ السلام الديمقراطيّ"، كما يزعم أنصاره، فيما يرى أنصار الثورة أنّ أعداءها الطبقيّين، هم من استدعوه للانقلاب عليها وللسيطرة على جموح الشارع التونسيّ، بمباركة من العواصم الغربيّة والرجعيّات الإقليميّة.

حصيلة السبسي في الحكم

في كلّ الأحوال، يجب الإقرار بأنّ السبسي نجح في مهمّة "إجهاض الثورة" خلال إشرافه على المرحلة الانتقاليّة من آذار إلى انتخابات تشرين الأول 2011. إذ عرف كيف يلعب على التناقضات بين القوى المعارضة للنظام السابق، بإسلاميّيها وليبراليّيها. ونجح كذلك في تقسيم قوى اليسار الذي كان يحاول جمع شتاته في "جبهة 14 جانفي" وفي استمالة قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، القوّة الأكثر تنظيماً وتأثيراً في الاحتجاجات والاعتصامات الشعبية وقتئذ. تمّ إذاً إفراغ الشارع من المظاهرات الصاخبة والاعتصامات التي لم تتوقّف طيلة الشهور الأولى لانتفاضة 17 كانون الأول، لا سيما إثر خلع بن علي في 14 كانون الثاني، وأفسح المجال لــ"مسار الانتقال الديمقراطي" عبر الانتخابات. وقبل وأهمّ من ذلك، وضع السبسي تونس على سكّة "الانتقال إلى المزيد من التبعيّة والنيوليبرالية"، من خلال مشاركته في ما عرف بـ"مؤتمر دوفيل" الذي دشّن مسار رهن تونس وبقيّة بلدان "الربيع العربي" بالقروض والاسثمارات الأجنبيّة الموصوفة بـ"المساعدات". باختصار، مثّل السبسي في 2011 الشخص المناسب الذي اختارته البرجوازيّة لحماية مصالحها وإنقاذها من إمكانية أن تتجذّر الانتفاضة الشعبيّة التي أطاحت برأس النظام، فتتحوّل إلى ثورة تُسقط النظام.

العودة الثانية

إثر ذلك، تغيّر المشهد السياسيّ التونسيّ عن عهد الديكتاتوريّة، فشهد وصول الإسلاميّين لأوّل مرّة إلى الحكم. إلّا أنّهم فشلوا في تقديم إجابات شافية للتحدّيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وكان همّهم الأكبر "التغلغل في مفاصل الدولة"، فلاقوا مقاومة شديدة من "الدولة العميقة"، وكذلك من عموم القوى الليبراليّة واليساريّة بسبب محاولاتهم فرض دستور محافظ وإطلاقهم يد الجماعات السلفية في البلاد. كما شهد عهدهم تفاقم ظاهرة الإرهاب، لا سيما الاغتيالات السياسيّة التي طالت القياديّين اليساريّين الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. في صيف 2013 أدّى الغضب الشعبيّ على الحكم الفاشل لحركة النهضة وحلفائها، وتداعيات اغتيال البراهمي، وخلال أيام قليلة إثر انقلاب السيسي على الإخوان في مصر، إلى حشر "النهضة" في الزاوية لتقبّل الدخول في مفاوضات تحت عنوان "الحوار الوطني". حصل ذلك بإشراف شكليّ من بعض "المنظمات الوطنيّة" (أهمّها اتحاديْ الشغل والأعراف)، وبوصاية مباشرة من "مجموعة الثمانية" الإمبرياليّة.  إثر صفقة "توافق الشيخين" بين السبسي والغنوشي، زعيم النهضة، انتهى الحوار إلى تسليم السلطة لـ"حكومة تكنوقراط" برئاسة مهدي جمعة الموظّف السابق بشركة تابعة لطوطال الفرنسيّة، اتخذت إجراءات نيوليبرالية جديدة، احتوت التحرّكات الاجتماعيّة بمساعدة من قيادة اتحاد الشغل، ومهّدت لانتخابات 2014. أفضت الأخيرة إلى عودة السبسي لرئاسة الدولة، على رأس حزب "نداء تونس"، الذي جمع فيه شتات النظام السابق، بعد أن أضاف "نكهة ديمقراطيّة" إلى خطابه.

في سياق "سياسة التوافق" بادر السبسي، الذي حاز أغلبية مقاعد البرلمان، إلى التخلّي عن وعده للجبهة الشعبيّة (تحالف أحزاب يسارية وقومية) حليفته السابقة في "جبهة الإنقاذ" – التي لعبت دوراً محوريّاً في إخراج النهضة من الحكم –  بعدم التحالف مع النهضة والكشف عن حقيقة الاغتيالات. وشكّل السبسي ائتلافاً أغلبياً بين الحركة وحزبه نداء تونس، حكَما من خلاله طيلة السنوات الخمسة الماضية.

الانتخابات الرئاسية المبكرة: سباق داخل أروقة النظام

بوفاة السبسي انطلق مسار التحضير لانتخابات رئاسيّة ستقع في منتصف أيلول، تليها الانتخابات التشريعيّة بعد شهر. وانطلق معه سباق محموم بين المرشّحين لهذه الانتخابات.

أبرز هذه الترشحات وما يمكن ملاحظته بخصوصها: الإجماع السريع الذي حصل بين قوى سياسيّة يمينيّة، بأذرعها الإعلاميّة والدعائيّة، لخلق مرشّح للمنظومة الحاكمة. يتعلّق الأمر بوزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، الذي تمّ تقديمه كـ"الوريث السياسيّ الذي أوصى به السبسي قبل مماته". لم يُعرف لهذا الطبيب أيّ تاريخ نضاليّ أو حضور إعلاميّ بارزين قبل 14 كانون الثاني عدا أنّه كان وزيراً للصحّة وعميداً لكلية الطبّ بسوسة. أمّا بعد الإطاحة ببن علي فتمّ تعيينه على رأس وزارة الدفاع في لحظة حرجة شهدت انخراط تونس في المخططات الغربيّة والإقليمية لإسقاط نظام القذّافي. وهو المنصب الذي عاد إليه في حكومة "تحالف اليمينيْن" (حزبي النهضة والنداء) التي تمخضت عن الانتخابات الأخيرة.

تحوّل هذا الرجل المتحفّظ، قليل الكلام وضعيف التواصل، بين عشيّة وضحاها لدى أبواق المنظومة إلى "سياسي محنّك" ومن أهمّ مآثره "نجاحه في تنظيم جنازة الرئيس الراحل"…

في الواقع، يمثّل الزبيدي بوضوح الموظّف المطيع وابن المنظومة الوفيّ. ولذا كان من الطبيعي أن يكون المرشّح المحبّذ للتحالف الطبقيّ/الجهويّ التاريخيّ الذي يحكم تونس منذ "الاستقلال"، بين برجوازيّتيْ الساحل والعاصمة. تحالف ذي طبيعة كمبرادورية وترتبط مصالحه تماماً بعواصم المراكز الرأسماليّة الغربيّة.

منذ تقديمه ترشحه الرسمي، يسعى الزبيدي وماكينته الدعائية إلى بثّ خطاب يجمع بين طمأنة التونسيّين (الطبقة الوسطى تحديداً) القلقين من تدهور أوضاعهم الاقتصاديّة والأمنيّة، والتأكيد على استمرارية سياسات الدولة المعهودة، وعلى إقامة "مصالحة شاملة" تضمّ حتى الرئيس المخلوع بن علي (وهو موقف لم يتجرّأ عليه ممثّلو المنظومة السابقة حتى اليوم). والواضح أنّه يحاول بذلك إرضاء منافسيه من نفس المعسكر (مثل المرشّحة عبير موسي ورئيس الحكومة المتخلّي يوسف الشاهد وزميلته السابقة الوزيرة سلمى اللومي) ومن يتواجدون على تخومه (المرشّحين مهدي جمعة ونبيل القروي ومحسن مرزوق)، أو للدقّة حرمانهم من قواعدهم الانتخابيّة.

كذلك، مثّل صعود نبيل القروي، صاحب تلفزيون "نسمة" (يشاركه في رأسمالها رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق برلسكوني، المصري ساويرس والتونسي طارق بن عمّار "صديق ابنة رابين")، في استطلاعات الرأي إحدى أهمّ المفاجآت المفزعة في هذا السباق. فالرجل معروف بمواقفه اليمينيّة، وبارتباطه الوثيق بشبكة إقليميّة وغربيّة معادية لمصالح شعوبنا، وبتسخيره قناته لنشر القيم الاستهلاكيّة وترويج “اللغة التونسيّة” كما يقول، على حساب العربيّة. هذا فضلاً عن اتهامه بالتهرّب الضريبيّ وكشف تسريبات يتحدّث فيها عن كيفية إرهاب ناشطين حقّقوا في ملفّات فساده. وصل القروي لهذه النتيجة عبر استثماره في وفاة ابنه، فخصّص برنامجاً تلفزيونياً يحمل اسمه، قام من خلاله بجمع تبرّعات للفقراء، يشرف لاحقاً على توزيعها. هكذا نجح هذا البرجوازيّ اليمينيّ المتطرف في تقديم نفسه اليوم نصيراً للفقراء.

إحدى أهمّ الأسئلة التي تشغل المراقبين اليوم هي: هل سيتنازل القروي للمرشّح الرسميّ للمنظومة أم لا؟ هل سينتهي الأمر بصفقة ما داخل البرجوازيّة الحاكمة أم سيتطوّر إلى مواجهة؟ السيناريو الأوّل هو الأرجح بتقديري. إذ لا يتوفّر للقروي داعمون مؤثّرون من صفوف رؤوس الأموال، لكن تبقى المفاجآت واردة في هذا الزمن الذي نشهد فيه وصول أسوأ المغامرين الشعبويّين إلى سدّة الحكم.

بعد شهور من المناورة والنقاشات الداخلية الحامية، حسمت قيادة حركة النهضة أمرها واختارت "عصفورها النادر"، كما وصف زعيمها راشد الغنوشي، فكان نائبه "الشيخ المُعمّم" عبد الفتاح مورو. يمثّل اختيار مورو "ضربة معلّم" جديدة من قيادة النهضة. فبعد أن ظلّت فترة طويلة تلوّح بجزرة الدعم ليوسف الشاهد الطامع في مساندة صامتة من الحركة، لا تشوّش على جمهوره "الحداثيّ"، قرّرت التخلّي عن هذا السياسي الشابّ الطموح المغرور الذي لا يؤمَن جانبه.

بترشيحها مورو للرئاسة تضرب النهضة أكثر من عصفور بحجر واحد: أوّلاً، تجاوزت الحاجز النفسيّ الذي كان يمنعها من ترشيح ممثّل لها إلى أعلى مسؤولية في الدولة. فترشيح زعيمها ومؤسّسها الغنوشي كان سيحدث حالة استقطاب حادّة داخل المجتمع التونسيّ، أمّا مورو فهو وجه يتميّز عموماً بخطاب متديّن "وسطيّ" وذي نكهة "بلديّة" يستسيغها العديد من تونسيّي المدن الكبرى، لا سيما من كبار السنّ. كما أنّه من المعلوم أنّ مورو لم يكن يوماً ضمن الدائرة الضيّقة لصنع القرار بالحركة (إلى درجة أنّه ترشح في قائمات مستقلّة عنها بانتخابات 2011)، وهو ما يخفّف من وقع هزيمته المحتملة على صورة الحركة ومعنويات قواعدها.

لا تراهن النهضة جدّيا على انتصار مورو. بل هي تسعى على الأرجح إلى أن يصل الدور الثاني لمنافسة المرشّح الذي ستتوافق عليه المنظومة القديمة (أي تحالف "اليمين الحداثيّ" بروافده المتعدّدة)، ومن ثمّة تحقيق صفقة ما تتيح لها موقعاً مريحاً في المشهد القادم وتعيد إنتاج "التوافق" الذي أرساه الرئيس الراحل بمعيّة الغنّوشي وبمباركة القوى الامبرياليّة. وهذا هو السيناريو الأقرب للتحقّق – خاصّة في ظلّ التراجع النسبي لتأثير المحور السعوديّ الإماراتيّ في الفترة الأخيرة.

أمّا في صفوف معارضي الائتلاف اليميني الحاكم، فلا توجد ترشّحات قادرة على المنافسة الجدّية للمرشّحين المذكورين أعلاه. وإذا استثنينا محمّد عبّو مرشّح حزب التيّار الديمقراطي (حزب ليبراليّ اجتماعيّ)، الذي يتمتع برصيد معقول من احترام وتعاطف جزء من الطبقة الوسطى بسبب مواقفه المعادية لـ"الفساد" ولنضاله السابق ضدّ الديكتاتوريّة، فلن نجد سوى مرشّحي اليسار.

معضلة اليسار المشرذم والباحث عن ذاته

إذا اعتمدنا تعريفاً واسعاً لليسار (من الطيف الاجتماعي الديمقراطي اليسار الإصلاحي الجذري مرورًا بالنقابيّين) فسنجد أساساً ثلاثة مرشّحين: عبيد البريكي (قياديّ سابق بالاتحاد العام التونسي للشغل ومرشّح ائتلاف “الاتحاد الديمقراطيّ الاجتماعيّ”)، المنجي الرحوي (مرشّح حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد وأحد شقّي “الجبهة الشعبيّة”) وحمّة الهمّامي (مرشّح حزب العمّال وأحد شقّيّ “الجبهة الشعبيّة”).

يمثّل البريكي، النقابيّ البيروقراطي المحنّك، ظاهرة لافتة للانتباه. فهو رجل قادم من تجربتين تبدوان متناقضتيْن أوّليّاً: الأولى سياسيّة، فهو من مؤسّسي ما يُعرف بـ"الوطنيّين الديمقراطيّين"، وهو تيّار ماركسي لينيني في أصله، كان يرفع شعار الثورة الوطنيّة الديمقراطيّة (من أبرز وجوهه الشهيد شكري بلعيد) قبل أن ينقسم إلى حلقات وتيّارات – وأحزاب بعد 14 كانون الثاني – ترفع عموماً شعار "الجمهوريّة الديمقراطيّة الاجتماعيّة" كبرنامج مرحليّ. أمّا الثانية فهي التواجد ضمن قيادة أهمّ منظمة اجتماعية بالبلاد، الاتحاد العام التونسي للشغل. تواجد البريكي، الذي بدأ نقابياً بالتعليم الثانوي، لفترة طويلة في المكتب التنفيذي لهذه المركزيّة النقابيّة "الصفراء" ضمن تكتيك التموقع النقابيّ الذي اعتمدته جلّ فصائل اليسار الماركسي في تونس. إلّا أنَّ صمت البريكي خلال مرحلة الديكاتوريَّة وتواجده في المكتب التنفيذيّ الذي ناشد بن علي الترشّح لانتخابات الرئاسة سنة 2004 وما يقال عن مشاركته في سنّ "مجلّة الشغل" سيّئة الذكر، إضافة إلى تبنّيه الخطاب الديمقراطيّ الاجتماعيّ، تمثّل أهمّ أسباب تحفّظ قطاع واسع من أنصار اليسار على شخصه. بالمقابل، قلّ أن تجد يساريَّاً لا يعترف بحنكة الرجل و"تمكّنه من الملفات الاجتماعيَّة" وبقدراته الخطابيَّة والذهنيَّة العالية.

الثاني هو المنجي الرحوي. ينتمي هذا السياسي الخمسينيّ إلى نفس العائلة السياسيَّة لعبيد البريكي، وتحديداً إلى حزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد. ككثير من الوجوه الوطنيَّة الديمقراطيَّة (التي كان بعضها يناضل ضمن حلقات سرّية في الأوساط النقابيّة بالأساس، فيما اندثر البعض الآخر ليعود إثر الثورة) لم يعرف التونسيون الرجل سوى بعد 14 كانون الثاني، خاصّة عبر سجالاته الحامية مع الإسلاميين في المجلس التأسيسي. أثار الرحوي الجدل داخل الأوساط اليساريّة أكثر من مرّة. وذلك بسبب تذبذب مواقفه من بعض القضايا ومن اليمين الحداثيّ. كما كان، عبر اقتراح حزبه له منافساً لحمّة الهمّامي، زعيم حزب العمّال، على موقع مرشّح الجبهة الشعبيَّة للرئاسيات السبب المباشر في الصراع الذي شهده هذا الائتلاف اليساريّ القوميّ مؤخّراً، وانتهى بانقسامها إلى "جبهتين" تحملان نفس الاسم وترشحتا كلّ على حدا للانتخابات.

أمّا الثالث فهو حمّة الهمّامي زعيم حزب العمّال ومؤسسه والناطق الرسميّ لائتلاف "الجبهة الشعبيّة لتحقيق أهداف الثورة" الذي هندس بعثه مع الشهيد شكري بلعيد. يترشّح الهمّامي مجدّداً، معتقداً بإمكانية تكرار نتائج محترمة مثلما حصل في الانتخابات الفارطة، التي استفاد منها من دعم إعلاميّ ودعائيّ مثير للجدل من قناة "نسمة"، لصاحبها اليميني نبيل القروي. إذ كان هدف المنظومة المهيمنة وقتها تقسيم صفوف معارضي الديكتاتوريَّة السابقين عبر دعم "حمّة" على حساب المنصف المرزوقي، الحقوقيّ الليبراليّ الذي تخلّت عنه حركة النهضة بعد أن استفادت منه رئيساً بلا صلاحيات طيلة ثلاث سنوات. مازال حمّة الهمّامي وحزبه يقدّمان نفسيهما كيسار ثوريّ. إلّا أنّه بغضّ النظر عن النوايا الصادقة والشعارات الجذريَّة، لم ينجح حزب العمّال خلال السنوات الأخيرة من اكتساح مساحات جديدة في المجتمع، لا سيما في الأوساط العمّاليّة والشعبيّة التي يسعى لتمثيلها سياسياً. إذ رغم اتسام مواقفه بالحدّ الأدنى من السلامة (تحديداً رفضه المنهجيّ لسياسات الائتلاف اليمين الحاكم)، لم يتوفّق في تجاوز حدود العمل البرلمانيّ. بل شهد بالمقابل استقالات لعدد هامّ من كوادره احتجاجاً على "تسلّط القيادة وبيروقراطيّتها"، كما لم ينجح في الحفاظ على وحدة الجبهة الشعبيَّة تحت قيادته.

لا يتوقّع أن يحقّق أيّ من المرشّحين الثلاث نتائج جيدة في الانتخابات الرئاسيَّة المقبلة. وهو ما يجعل التنافس بينهم يكاد يقتصر على من يمثّل أكثر جمهور اليسار (أو للدقّة الناخبين من ذوي الميولات اليساريَّة الإصلاحيَّة). وأبعد من الانتخابات ونتائجها، يخيّم الإحباط والخيبة على جزء واسع من جمهور اليسار في تونس بسبب فشل تجربة الجبهة الشعبيَّة وانقسامها. إذ رغم صعوبة الظروف الموضوعيَّة قُطرياً وإقليمياً وأمميَّاً، مثَّل تحالف اليميْنين الحداثوي والمتديّن في الحكم خلال السنوات الماضية فرصةً لليسار كي يبلور خطاباً معارضاً لكليهما على قاعدة توحّدهما في إنتاج السياسات المفقّرة لعموم التونسيّين والمفرِّطة في السيادة الوطنيَّة. إلّا أنّ افتقاد الجبهة الشعبيَّة لرؤية استراتيجيَّة تمكّنها من الانغراس في الطبقات الشعبيَّة، وضعف ممارستها الديمقراطيَّة داخليَّاً، فوّتا على اليسار هذه الفرصة. بل إنَّ أوضاع اليسار ازدادت صعوبة، لا سيما في ظلّ فشل المجموعات الثوريَّة المتموقعة على يسار الجبهة في بناء تنظيمات جدّيَّة.

تونس إلى أين؟

تصعب الإجابة على هذا السؤال في ظلّ أوضاع عالميَّة وإقليميَّة متحرّكة ومضطربة. فشرقاً ما تزال ليبيا تعاني من "حرب أهليَّة" تغذيها المحاور الإقليميَّة الرجعيَّة، المسنودة إمبرياليَّاً. أمّا غرباً مازال الشعب الجزائريّ يكابد من أجل اجتراح مخرجٍ مشرّف، يمكن البناء عليه، لحراكه الجماهيريّ الذي أطاح ببوتفليقة ليتعثّر بقيادة الجيش، العمود الفقريّ للنظام. إلاّ أنَّ السيناريو الأرجح هو استمرار "توافق اليمينيْن" على اقتسام السلطة وعمولات ثروات البلاد المفّرط فيها للمراكز الرأسماليَّة. مع تنظيم التنافس عبر "اللعبة الديمقراطيَّة" بشروطها المشوّهة في بلد شبه مستعمَر وخاضع تماماً للقوى الامبرياليَّة ومتعايش مع الرجعيّات الإقليميَّة. فهذه القوى الامبرياليّة ما تزال بحاجة إلى نموذج "الانتقال الديمقراطيّ" التونسيّ للترويج لسياسات هيمنتها الناعمة وتدخّلها في شؤون باقي أقطار الوطن العربي وما جاوره. إلّا أنَّ "مكر التاريخ" يعلّمنا أنَّ هذه السياسات المنتِجة للفقر والشعور بالإذلال كفيلة بأنْ تشعل من جديد، آجلاً أم عاجلاً، إرادة الثورة في روح الجماهير المُضطَهَدة.

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك