سياسي أوهام انفكاك السلطة عن الاحتلال

أوهام انفكاك السلطة عن الاحتلال

-

- Advertisment -

في بحثٍ سريعٍ في المواقع الإخباريَّة يُمكن الاطلاع على العديد من قرارات إيقاف التنسيق الأمنيّ الصادرة في أوقات مختلفة عن رئيس السلطة الفلسطينيَّة، أو عن المجلس المركزيّ لمنظمة التحرير. جاءت هذه القرارات جميعها كردود فعلٍ على إجراءاتٍ إسرائيليَّة. ونجد إلى جانب ذلك العديد من التصريحات الصادرة عن أصحاب مناصب رسميَّة في السلطة أو حركة فتح تتحدث عن إنهاء الاحتلال والانفكاك عن "إسرائيل"، كان آخرها تصريح أمين سرّ اللجنة المركزيَّة لحركة فتح جبريل الرجوب الذي قال: "لا نخشى صداماً شاملاً مع نتنياهو، ورغم أنَّ هذا الصدام لا نتمناه لكن لا نخاف منه ولن نعيد السيف إلى غمده إلاّ بإنهاء الاحتلال".

ليس هناك شكٌّ أنَّ العلاقة السياسيَّة بين السلطة و"إسرائيل" متوترة وليست في أحسن أحوالها، فالمفاوضات متوقفة منذ عدة سنوات، وهناك حراك سياسيّ دوليّ يعمل على تصفية القضية الفلسطينيَّة، دون التشاور مع السلطة في فحواه، إضافة إلى احتجاز أموال المقاصة – مع إعادة ضريبة البلو- وهذا الاحتجاز ليس الأول وهو متكرر ويهدِّد استقرار السّلطة باستمرار، دون الوصول إلى إنهاء وجودها بشكل كامل على الأقل في الوقت الحالي. ولم تتعدَ التصريحات العديدة حول إنهاء الاحتلال أو إيقاف التنسيق الأمنيّ كونها تصعيدات خطابيَّة وتهديدات أخذت طابع الاستجداء.

في العام 1996 ساهمت السّلطة في هبَّة النفق وشاركت الأجهزة الأمنيَّة فيها لعدة أيام بالرغم من التنسيق الأمنيّ الفعليّ على الأرض والذي استهدف العمل المقاوم في الأساس. بعد الهبَّة بأقل من ستّة أشهر، وفي بداية عام 1997 وقَّعت السلطة بروتوكول إعادة الانتشار في الخليل وعادت الأمور كما كانت قبل الهبَّة. 

في العام 2000 انطلقت انتفاضة الأقصى بحراك شعبيّ -في بدايتها- وكانت استمراراً للعمل المقاوم الذي بدأ بعد أوسلو. مع أنَّ السلطة قد تساهلت معها في أحيان، ولكنَّها لم تكفَّ يدها عن المقاومة وشاركت في لقاءات مفاوضات بعدها وخلالها، وعندما اشتدت المقاومة أعادت "إسرائيل" اجتياح الضفّة الغربيـَّة.

ما تقوله لنا التجارب أنَّ كل هذه التهديدات مؤقَّتة هدفها التحريك السياسيّ ليس إلا. ولا مجال أمام السلطة، كبنية نشأت نتيجةً لاتفاقٍ مع "إسرائيل" إلاّ فعل ذلك، فهذا هو هامش المناورة الخاص بها، فهبَّة النفق التي استمرَّت لأسابيع عادت بعدها العلاقة مع "إسرائيل". ومحاولة السّلطة لاستغلال الانتفاضة لتُظهِر أهمية دورِها الوظيفيّ والأمنيّ وكسب عدّة نقاط خلال المفاوضات المرجوّة انتهت عندما أعادت "إسرائيل" تمركزها في مدن الضفّة الغربيَّة وحاصرت رئيس السلطة ياسر عرفات، مبيّنةً الحدَّ والهامش المتاح للمناورة. 

هذا ينسحب أيضاً على الموقف الرافض لـ"صفقة القرن"، فرفضُ السّلطة لها مُرتبط في جزء منه بإقصائها عن معظم خطواتها ومحاولة فرض حلّ عليها أدنى من سقفها الذي لم يتبقَ هناك مجالٌ للانحدار أكثر فيه.

قبل أنَّ يصبح رئيساً للوزراء صرّح محمد اشتية أنَّ السلطة تمتلك القدرة على الانفكاك الاقتصاديّ من الاحتلال. وبعد استلامه رئاسة الوزراء أشار خلال تصريحات عدّة إلى إمكانية الانفصال عن "إسرائيل" والعمل التدريجيّ على ذلك. لكنَّ السّلطة تقف عاجزة عن أيّ فعل استراتيجيّ حقيقيّ للانفصال عن "إسرائيل". وجلَّ ما يُنشر عن محاولات للحكومة في هذا السياق لا يتعدى كونه محاولات بائسة لإزعاج "إسرائيل"؛ فأكثر من نصف المياه الواصلة لمناطق السّلطة من شركة "مكوروت"، فيما تُشترى الكهرباء من شركة الكهرباء الإسرائيليَّة، ويعمل 100 ألف فلسطينيّ في الأراضي المحتلة عام 48 والمستوطنات، وتورِّد "إسرائيل" منتجاتٍ بقيمة 5 مليارات دولار لمناطق السّلطة، وتبلغ نسبة البطالة 31% من مجمل الأفراد المشاركين في قوى العمل، وتجبي "إسرائيل" أموال الجمارك قبل أنَّ تحوّلها للسّلطة وتحصل على عمولتها. ولذلك فإن السلطة تعجز عن منع "إسرائيل" من الاقتطاع مخصصات الشهداء والأسرى من ميزانياتها، وتعجز عن توفير مصادر بديلة للطاقة دون موافقة إسرائيليَّة. ولا يبدو أنَّها تملك القدرة على توفير 100 ألف وظيفة للاستعاضة عن العمل في الاقتصاد الإسرائيليّ، بل إن سياساتها الاقتصاديَّة رفعت نسب البطالة. ولم تعلن السلطة عن خطوات جدّية لمراجعة بروتوكول باريس أو طلب إعادة التفاوض عليه مرحليَّاً على الأقل.

المطالبة بانفكاك السّلطة سياسيَّاً أو اقصاديَّاً هو وهم يفترض أنَّها تمتلك بيدها هذا القرار أصلاً، فالسلطة تأسست على التبعية وتعتاش عليها، وفكّ الارتباط ليس مضرّاً لمصلحة "إسرائيل" فقط، بل ولمصلحة رؤوس الأموال الفلسطينيَّة التي ترتبط مصالحها بالاستقرار الأمنيّ للاحتلال. وعليه فإنَّ هذه التصريحات التي نسمعها بين الحين والآخر هي ضمن هامش المناورة والدعاية السياسيَّة ولا خير في التعويل عليها. أخيراً، ليس الانفكاك عن الاحتلال هو الوهم، وإنما انفكاك السلطة. وهذا يطرح علينا سؤال جديد: هل بالإمكان الحديث عن انفكاك شعبيّ وكيف؟

 

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك