سياسي الذكرى الخامسة للحرب... أين أصدقائي؟

الذكرى الخامسة للحرب… أين أصدقائي؟

-

- Advertisment -

ولدتُ ابناً لعائلةٍ رياضيَّة، ولا أقصد هنا عائلة متابعة للرياضات، إنما كان أبي يلعب كرة القدم، وأمي تلعب كرة الطائرة، كان أوج ذلك خلال مرحلة دراستهما. لذا، بالنسبة لي، كان حصد بطولات كرة القدم التي تنظمها المدرسة لطلاب المرحلة الابتدائيَّة، أشبه بشرب كوبٍ من الشاي.

في تلك الأيام، كان لدينا في المدرسة فريقاً ثابتاً، يتميز بقوةٍ هجوميَّةٍ ضاربة، أنا وزميلي يوسف النجار نلعب في خط الهجوم، كان يوسف فتى قصير القامة، وعُرْف كرة القدم يقول احذر كل من اقترب من الأرض، كيف لا وهو صاحب مهاراتٍ عالية، وحركة جسمٍ رشيقة. كانت الأمور تسير بشكلٍ جيدٍ مع فريقنا، إلا أن أعادت إدارة المدرسة تدوير الطلاب في الصفوف، وهنا تبعثرنا، ذهب يوسف إلى صفٍ آخر، كانت تلك ضربة للفريق، حدث ذلك ونحن في الصف الخامس.

في آخر العام انطلقت بطولة كرة القدم في المدرسة، ووصل فريقنا وصديقي يوسف وفريقه إلى المباراة النهائية. في الشوط الأول من المباراة النهائيَّة، حاول يوسف أن يحرز الأهداف، ولكن بلا جدوى، كان يلعب لوحده ضدَّ فريقه القديم، وانتهى الشوط بتعادلٍ سلبي. خلال الشوط الثاني، أحرزتُ ثلاثة أهداف، وأنهينا المباراة بفوزٍ بأربعة أهداف مقابل هدفين. وحين حانت لحظة التتويج، ذهبت لمصافحة يوسف، وجدته يبكي، هذه أول بطولة يخسرها الفتى القصير، أتذكر جيداً رفضه مصافحتي يومها، كان ذلك إشعاراً بالخصومة.

بعد المباراة بيومين، وتحديداً في الخامس عشر من الشهر الأخير لعام 2001، اجتاحت آليات الاحتلال شرق مخيم جباليا شمال قطاع غزة، كان آخر أيام شهر رمضان، وكنا نستعد لاستقبال عيد الفطر. عصر ذلك اليوم، جاء ابن عم يوسف ليخبرني ودون مقدمات، يوسف استشهد، اسكنوا رصاصةً في رأسه التنح، هل كسروه؟ الشهداء لا يُكسَرون.

كانت مشاعري بريئة، كنت جاهلاً بما يعنيه أن تفقد صديقاً، لا أذكر أنني بكيت يومها، واكتفيت بالصمت، في الحقيقة، لم أكن أعرف حينها ما عليّ فعله.

صباح اليوم التالي، ذهبنا إلى بيته في مخيم جباليا، لأول مرة أمشي في جنازة، كانت أمه تمسك بملابس العيد الجديدة التي اشترتها له وتلوح بها أمامنا وهي تبكي. أخبرني منذ مدة شقيقه عمر أنَّ أمه ما زالت تحتفظ بهذه الملابس.

حصلت على صورة له، وعلقتها على بوابة دولابي فهو أول فقدان في حياتي، وفي كل صباح كنت أتحدث معه وأخبره أننا سنعود إلى الفريق وسنلعب مرةً أخرى معاً.

ما دفعني إلى استعادة ذكرياتي قبل ثمانية عشر عاماً هي ذكرى الحرب الإسرائيليَّة على قطاع غزة، قبل خمسة أعوام، وخلال ما يقارب الخمسين يوماً، فقدت سبعة عشر صديقاً، أحدهم كان سلام.

جثمان سلام

فجر اليوم الرابع عشر من بدء الحرب في 21-7-2014، اقتحمت مجموعة من مقاتلي كتائب القسام الموقع العسكري المعروف بالموقع (16) شرق بيت حانون، كان ذلك رداً على مجزرة الشجاعيَّة التي قُتِل فيها أكثر من 60 شخصاً أغلبهم من النساء والأطفال. أثناء انسحاب المقاتلين، تعرضوا لقصف إسرئيلي من الطيران، مما أدى إلى استشهاد (11) منهم، كان بينهم (سلام المدهون)، كان سلام صديقي؛ شكَّلنا في العام (2010) فريقاً حمل اسم «الفارس»، كان سلام المشرف على الفريق، وكان إداريَّاً رياضيَّاً ناجحاً رغم أنَّه لا يجيد لعب كرة القدم، حصدنا معاً عدة ألقاب وخسرنا بالطبع بعض الجولات. ما زال الاحتلال يحتجز جثمان (سلام) ورفاقه من الفدائيين.

الآن توقفت تماماً عن لعب كرة القدم، حتى أنَّني لا أجد وقتاً لمشاهدة المباريات العالميَّة، فأنا منشغل في إعداد القصص الصحفيَّة ومتابعة الأحداث السياسيَّة، كذلك يبدو أنَّني لو استمريت في ممارسة هذه اللعبة سأفقد كثير من الأصدقاء كحال يوسف النجار وسلام المدهون.

صديقي البسيط

العدوان الثالث على غزة، كان أول تجربة لي كصحفي ميداني، كنت وقتها أعمل لصالح صحيفة الرسالة المحليَّة. في الأسبوع الأول وفق الخطة الموضوعة لإدارة الصحيفة كانت مهمتي العمل في مستشفى كمال عدوان شمال مخيم جباليا.

ظهيرة اليوم الخامس من العدوان، وعند دخولي المستشفى، شدَّني مشهد أحد المسعفين عندما كان يغسل سيارة الإسعاف، والسبب أنَّه كان قد نقل جثة محترقة بعد قصف طيران الاحتلال أرضاً زراعية شرق المخيم. حين سألت عن اسم صاحب الجثة قالي المسعف أنَّه شاب يدعى “محمد الشراتحة”. لم أهتم كثيراً، هكذا نفعل في الحرب، لا نهتم كثيراً، وإلا سننفجر، هاتفت غرفة التحرير وزودتهم بالمعلومات الأوليَّة، طلبت مني الإدارة التقاط الصور لذلك الشاب، حين دخلت إلى غرفة الموتى صدمت وكدت أن أقع أرضاً حين تبين أنَّ ذلك الشاب هو زميل دراستي وصديقي في الجامعة الإسلاميَّة. لم أستطع فعل شيء، أخفيت دمعتي وعدت إلى المنزل لأخبر باقي زملائي ولنشارك في تشييع جثمانه.

في تفاصيل استشهاده، تبيَّن أنَّه كان يساعد أحد جيرانه على حرث قطعةِ أرضٍ زراعيَّة ملاصقة لمنزله، وقد قصفهم الاحتلال بصاروخ من طائرة دون طيار. أكثر ما أحزنني على صديقي الذي كان أول شخص فقدته في ذلك العدوان الشرس، هو أنَّه كان متعطشاً جداً للحصول على الشهادة الجامعيَّة، إذ كانت تتبقى له ساعات دراسية قليلة وينهي مرحلته الجامعية.

أذكر أنَّه قال لي بعد ما خرجنا من إحدى الامتحانات النهائية:” لا أصدق أنَّني سأنتهي من الجامعة، ستفرح أمي كثيراً، أريد فقط أن أرى سعادتها”.

مدربا الكونغ فو

إلى جانب كرة القدم، أعشق أنا ووالدي رياضة الملاكمة، منذ صغري كنت أرمي نفسي بجانبه وأتفرج ببلاهة طفل لم يبلغ العاشرة على الرجل الحديدي (مايك تايسون)، يومها قلت لوالدي أريد أن أصبح ملاكماً، لم يعجبه ذلك، كان يرى خطورةً كبيرة فيها، ونصحني بلعبة (الكونغ فو). وبالفعل، وبعد شهرين من استشهاد يوسف، سجَّلني والدي في مدرسة (الكونغ فو) التابعة لنادي خدمات جباليا، وبدأت بالتعلم على يد مدحت اليازجي، كان حينها أشهر لاعب كونغ فو في قطاع غزة.

على رغم صغر سني آنذاك إلا أنَّني أصبحت الطفل المدلل للكابتن اليازجي، ولأنَّني كنت متحمساً جداً للألعاب القتاليَّة، عدا عن لياقتي البدنيَّة الجيدة التي اكتسبتها من لعبي الدائم لكرة القدم، سرعان ما تدرجت في اللعبة وطبقت الأساليب بسهولة، وبعد فترةٍ وجيزةٍ فقط أصبحت جاهزاً لأن أخوض نزالات الملاكمة، وفي أيار من ذلك العام شاركت في أول بطولة لي، كان وزني (37) كيلوغراماً، وحصدت المركز الثاني.

بعد البطولة اختفى اليازجي، لم يعد يدربنا ولم يعد يراه أحدٌ منا في النادي، وبدأ يدربنا المشرف العام لمدرسة (الكونغ فو) الكابتن سعيد أبو جلالة، ذو الجثة الضخمة، ومعه انتقلت إلى مرحلة ما يعرف بأسلوب «قتال الشوارع»، ففي الكونغ فو هناك ثلاث مراحل، الأولى «الساندا»، ثم «النمر»، وأخيراً «قتال الشوارع»، وهو الأسلوب الذي يستخدم فيه الأسلحة البيضاء.

في تموز 2002، جمعتني صدفة جميلة مع مدربي اليازجي، كانت طريقة المصافحة المتفق عليها بيننا، تقتضي أن يسدد لي ضربة وأحاول صدها، سألته يومها عن سبب غيابه، لا أتذكر ماذا أجاب ولكن ما أتذكره، قوله أخبر سعيد أبو جلالة «أن يسامحني، والجميع كذلك»، قال ذلك ومضى.

صباح يوم الثالث والعشرون من آب للعام 2002، أيقظني أبي ليخبرني بأنَّ مدربي مدحت اليازجي قد استشهد خلال تنفيذه عمليَّة فدائية في مستوطنة (كفار دروم) شمال قطاع غزة. وقع الخبر كالصاعقة على صدري، رحل الرجل الذي كنت أحلم أن أصبح مثله، في مراهقتي كنت أقلد تسريحة شعره.

بعد الانتهاء من تشييع جثمانه، وخلال جلوسنا في بيت العزاء، كان يجلس بيننا مدربنا الأول أبو جلالة. أخبرته بكل براءة ما قاله لي مدربي اليازجي قبل استشهاده بنحو شهر. أذكر أنَّ أبو جلالة دخل في موجة بكاء، كان جبلاً يبكي.

بقيت عام آخر تحت إشراف المدرب أبو جلالة، لكن بعدها انقطعت عن اللعبة، وانسحبت من عالم رياضة الكونغ فو.

خلال عملي في الصحيفة في فترة العدوان، في ليلة 31/7/2014، كان من المفترض أنَّها إجازتي، عدت إلى منزل والدي في المخيم. فجر تلك الليلة، كانت أشد الساعات التي مرت على مخيم جباليا، إذ سقطت عشرات القذائف والصواريخ في المخيم وتحديداً على الأطراف الغربية منه. تسقط القذائف ولا أحد يعلم المكان المستهدَف، بعد دقائق تبيَّن أنَّ الاحتلال استهدف مدرسة بنات جباليا الابتدائيَّة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) المعروفة بـ “مدرسة أبو حسين”، التي كانت تأوي مئات النازحين، مجزرة جديدة يرتكبها الاحتلال، أعلنت وزارة الصحة ليلتها عن استشهاد 16 شخصاً.

في تلك اللحظة خرجت إلى مستشفى كمال عدوان، لتغطية الحدث، كانت الجثث موزعةً في ساحة المستشفى الخلفية فلم تكفي غرفة الموتى لهم، بدأت أسير بين الجثث الممزقة بصحبة الطبيب الشرعي لتوثيق الأسماء، كانت هناك جثةٌ ضخمةٌ مغطى وجهها، حين اقتربنا منها سألت عنها، قال لي:«هذا لاعب الكونغ فو المشهور سعيد أبو جلالة».

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك