سياسي هل العدو أصبح خلفنا في كل مكان؟

هل العدو أصبح خلفنا في كل مكان؟

-

- Advertisment -

في مطلع السبعينيات ظهر نهج ومقولة "خلف العدو في كل مكان". كان هذا الشعار تكثيفاً لفهم نظري عميق بارتباط المشروع الصهيوني بمصالح الامبريالية والاستعمار في كلّ العالم. ومن جهة أخرى، أسس هذا الفهم لعلاقة ما بين الشعوب المقهورة والمستعمَرة في الأطراف مع الطبقات المستغَلَّة في المراكز، وبذلك تشكَّل نموذج "أممية" مختلف بعض الشيء تحارب الإمبريالية وتستهدف مصالحها منطلقة من نضال القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أممية للصراع ضد الإمبريالية.
كل هذا لم يكن ممكناً لولا تشكَّل العامل الذاتي للمقاومة الفلسطينية من تأسيس البنى السياسيَّة والعسكريَّة والثقافيَّة والإعلاميَّة والاجتماعيَّة وغيرها. وأكثر من ذلك، علينا أن نتذكر دائماً أنَّ جميع انجازات المقاومة الفلسطينيَّة بما فيها تلك في الساحات الدبلوماسية لم تكن لتكون لولا البنية المقاوِمة. لكن مع بدايات أوسلو بدأت تُقلب هذه الآية. إذ بدأ العمل على تفكيك بنى المقاومة، واستبدالها ببنى الحكم الذاتي المحدود التابع.
ليس أوسلو مجرَّد اتفاق بين القيادة المتنفّذة والمتفردة في قيادة منظمة التحرير الفلسطينيَّة والاحتلال فقط، بل إنَّه شكَّل مرحلةً جديدةً بقواعد وشروط مختلفة وربما معاكسة للمرحلة التي سبقتها. ولم يكن هذا الاتفاق محصوراً ضمن حدود الضفة وغزّة فقط، ولا حتى ضمن حدود فلسطين من النهر إلى البحر، بل إنَّه كان منذ البداية مشروعاً سياسيَّاً استهدف الكلَّ الفلسطينيّ في شتّى أماكن تواجده لتدمير بناه السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي كانت تحتضن المقاومة والبندقية.
من هذا المنطلق بإمكاننا أن نجادل أنَّ مشروع أوسلو السياسي1 لم يفشل أبداً – على عكس ما تشيع السلطة – بل إنَّ ما آلت إليه الأمور اليوم هو إحدى النتائج الضروريّة من مشروع أوسلو. فلم يكن هذا اتفاق سلام في أيّ حال من الأحوال، ولا حتى في أوهام رجال السلطة، بل إنَّه مشروع استهدف اختراق بنية المقاومة الفلسطينيَّة والانقلاب عليها.
في الآونة الأخيرة –طالت جداً الآونة الأخيرة وربما آنت الآونة أن تصبح سابقة لا أخيرة- نشعر كفلسطينيين أنَّ العدو هو من بات خلفنا في كلّ مكان2.  فقامت ألمانيا مؤخراً بتشريع قانون يجرّم حملة المقاطعة، وشنَّت حملة ضد مناضلين فلسطينيين ومنعتهم من التحدّث في فعاليات شعبية وجماهيرية مثل خالد بركات ورسمية عودة. وفي اليونان شنَّ اليمين المنتخَب حديثاً حملة تهجير للاجئين الفلسطينيين المهجَّرين عدة مرات. ونسفت الولايات المتحدّة خطابها المعلن حول دعمها لحل الدولتين واستبدلته بصفقة القرن التي كانت أولى خطواتها الهجوم على الأونروا وتجفيف مصادرها المالية، وإعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. ناهيكم طبعاً عن وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا وزيادة الاستيطان والاعتقالات والهجوم على الأسرى وقانون القومية وغيرها الكثير من السياسات الإسرائيلية الهجومية على الكلّ الفلسطينيّ.
ربما يكون نفوذ الحركة الصهيونية قد ازداد في الساحتين الأوروبية والأمريكية مستفيدةً من صعود التيارات اليمينية المتطرفة. ولكن هذا جانب بسيط من المعادلة. فالأمر قبل أن يكون مرتبطاً بالعوامل الموضوعية، هو حصيلة تراجع العوامل الذاتية؛ ببساطة، لم يعد يُحسب لنا حساب في الساحات الدولية. ولذلك فحتى "النشاط" الدبلوماسي لم يعد قادراً على الإثمار. فلقد استطاع الاحتلال منذ توقيع اتفاقية أوسلو أن يعزز علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية مع العديد من الدول التي كانت سابقاً تصطف إلى جانب الفلسطينيين، واستطاعت القيادة الفلسطينية المتنفذة بمهارة عالية أن تخسر أصدقاء الشعب الفلسطيني في العديد من الدول. 
إذا ما نظرنا لهذه العوامل وحدها سنصل لنتيجة بائسة يائسة. ولكن – وهذه لكن كبيرة – إذا ما رأينا هذه العوامل من ضمن معطيات أخرى جديدة تتكرس في المنطقة، نستنتج أنَّ القضية الفلسطينيّة اليوم مقبلة على مرحلة جديدة، ستتوافر خلالها –إذا ما تحققت العوامل الذاتية- فرص جديّة لاستعادة مشروع وطني فلسطيني. فالصراع اليوم في المنطقة من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان وحتى إيران يبرهن أنَّ محور المقاومة يتقدَّم في المنطقة وقوى الاستسلام والتطبيع والرجعية والظلامية في تراجع وانحسار. وأخيراً أثبتت المقاومة في اليمن، أنَّه أينما وجدت إرادة المقاومة من الممكن تحقيق الانتصارات.

 

[1] قد يجادل البعض أنَّ اتفاق أوسلو قد انتهى قبيل الانتفاضة الثانية. أي منذ انتهاء السقف الزمني (خمس سنوات) الذي حدده الاتفاق لانسحاب الاحتلال من مجمل مناطق السلطة. ولكنَّ هذه المقولة قائمة على فهم أوسلو كاتفاق سلامٍ وليس كمشروع سياسيّ.

[2]  لمن يتابع الإنتاجات السينمائية الإسرائيلية على شبكة نيتفليكس يلاحظ أنَّ جزء كبير من هذه الإنتاجات يركّز على فكرة القدرِِشِة الخارقة للموساد للعمل خارج حدود فلسطين.

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك