سياسي رام الله بيروت رايح جاي: في محاولات النساء لاستعادة...

رام الله بيروت رايح جاي: في محاولات النساء لاستعادة الشارع كحيِّز نضاليّ

-

- Advertisment -

ستسعى هذه المقالة لعقد مقاربة سريعة للتحولات التي يحملها الشارع النضاليّ ارتباطاً بالتحولات السياسيَّة وانعكاس ذلك على التقييم والنظر لمساهمة النساء فيه، استلهاماً من الأحداث الأخيرة في مساهمة النساء في ميادين فلسطين ولبنان.

ودونما مقدمات، نعرف وعبر الكثير من الأدبيات كيف شكَّلت النساء في الوطن العربي جزءاً مركزيَّاً من الحركة التحرريَّة والوطنيَّة في مواجهة الاستعمار المتشكل على وقع اتفاقيَّة الحرب العالميَّة الأولى واتفاقية سايس بيكو، من خلال المساهمة في الأشكال المختلفة من النضال والذي يتنوع طيفها ما بين الثوري الكفاحي العنيف، والثوريّ والسياسيّ السريّ والعلنيّ. فيه تقاسمت النساء الشارع النضاليّ الجماهيريّ والثوريّ مع الجماهير بكل تنوعاتها الجندريَّة.

لم تخرج فلسطين أيضاً عن السياق، بل فإنَّ استمرار الحالة الاستعماريَّة منذ الاستعمار البريطاني وحتى الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ساهم بانخراط واسع للجماهير الشعبيَّة عامة والنساء خاصَّة في معمعان النضال بأشكاله المختلفة؛ العمل السري، والكفاح المسلح، والتنظيم السياسيّ والثوريّ، والأطر الجماهيريَّة، والنضالات الاجتماعيَّة الطبقيَّة المختلفة، والفعل الانتفاضيّ وغيره الكثير.

ما يعنينا من هذا هو أنَّ هذه الساهمة فرضت حضوراً قوياً للنساء في الشارع بمعناه الفعّال كنضال، والفعليّ كمكان، وترافق مع ذلك قبول مجتمعي متدحرج لهذا التواجد، أي أنَّ النساء أصبحن جزءاً مركزيَّاً من مجمل الحركة الوطنيَّة الفلسطينيَّة على مستويات المختلفة، كانت الانتفاضة الأولى علامتها الفارقة، حيث احتلت النساء الشارع بصفتهنّ مشتبكات مع الاحتلال، ومساهمات في تنظيم هذا الشارع وإدارة الحياة اليوميَّة للجماهير المنتفضة. وفيما كان الشارع يفقد يوميَّاً عشرات الشباب في عمليات الاعتقال بوتيرة ونسب أعلى بكثير من النساء، كانت تزداد وتيرة مساهمتهنّ، لتعويض نقص القوى الفاعلة.

لم يكن حينها سؤال "هل هذا مكانهنّ؟" مطروحاً، ولم يكن النقد يتجاوز فئات معدودة كانت يُنظر لها في حينها كقوة رجعيَّة تحاول أن تعيدنا إلى الوراء. وبالتالي كانت النساء مشاركات بهذا الشارع والذي شكَّل حصانة لهنّ. امتد هذا على المساحات التي تواجدت به الثورة الفلسطينيَّة، من فلسطين، إلى لبنان خاصة.

في سنوات المد الثوري، كانت شعارات تحرّر المرأة ومشاركتها من البديهيات، ليس فقط كشعار وإنَّما كممارسة وفعل يومي.

أما في غياب هذا المد وتحديداً مع مرحلة أوسلو، التي غُيَّب فيها النضال الثوريّ والتحشيد له في الشارع، ولسنا بصدد نقاش أسبابه، وإنَّما في تداعياته التي غيَّبت الثوري، وأنتجت مجتمعاً هشَّاً اجتماعيَّاً ومفككاً وطنيَّاً؛ فارتفعت قيم الاستهلاك والفردانيَّة، والأنانيَّة، عل حساب الوطني الجمعي والتضامني، في مجتمع تنهكه الأزمات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والانقسام السياسيّ، وأدى ذلك إلى تراجع القيم الثوريَّة. وانعكس ذلك بشكل أساسي على مكانة المرأة والنظر إلى أدوارها المختلفة، وأصبح استهداف النساء مسألة يوميَّة سواء في الحيّز الخاص حيث ارتفاع وتيره العنف المنزلي، أو في الحيز العام الاجتماعيّ والسياسي الذي انتُزع من النساء وأصبح في جزء كبير منه معادٍ لتواجدهنّ. فنرى كم التعليقات والانتقادات التي توجَّه للصبايا الفاعلات في نقاط الاشتباك، يُغتال فيها جسد المرأة رمزيَّاً لاغتيال حق تواجدها في النضال، في الوقت الذي لا يعاني الذكور من هذا الاغتيال، فجسد الرجل هو جسد مقاوم مكانه نقاط الاشتباك، بينما جسد المرأة يشكل خرقاً لهذه القواعد. ويتم تجريد تواجد النساء أيضاً في الشارع من فاعليَّته النضاليَّة باتجاه وصم الجسد وتذنيبه اجتماعيَّاً.

في الحراكات الأخيرة في لبنان كما هو في فلسطين، تحاول النساء استعادة الشارع كحيز فاعل ونضاليّ لهنّ، وفيه تتصارع الأضداد بقوة لسحب الفاعليَّة وتجريدها من أهميتها.  فنرى في حراك طالعات استعادتان مهمتان جرى مقابلهما محاولات إعادة الموضعة كما هي، بمعنى، خرجت الصبايا والنساء في طالعات إثر قضية قتل إسراء غريب على يد عائلتها ومحاولات طمس الحقيقة التي مارستها العائلة والمؤسسات المعنية، بالتالي كان الخروج هو لحظة فارقة في المحاولات السابقة للوقوف أمام قضايا قتل النساء، التي لم تثمر الكثير ولم تتابعها المؤسسات النسوية المختلفة بشكل كافٍ، ناهيك عن الأحزاب "الغايبة طوشة" أي الغائبة عن هموم الناس اليوميَّة وقضايا النساء المختلفة ومنها الاجتماعيَّة. لكن النقطة المفصليَّة لحراك طالعات كانت في الخطاب أساساً والذي ربط بشكل واضح القضيَّة الاجتماعيَّة بالقضيَّة الوطنيَّة المؤطَّرة ضمن الحالة الاستعماريَّة، وهو الذي غاب منذ أوسلو عن الخطاب النسوي وتحديداً خطاب المؤسَّسات النسوية المؤنجزة، حيث تم تجريد المسألة النسوية من بعدها الوطني والنضالي وتم اختزالها في بعد سياسيّ مرتبط فقط بصنع القرار ضمن مؤسسات السلطة الناتجة عن أوسلو.

وأمام هذه الاستعادة الجديَّة للفعل النسوي المقاوم اجتماعيَّاً ووطنيَّاً، كانت هناك محاولات حثيثة لإعادة النساء مرة أخرى لمربع الإقصاء عن الشارع، فشكَّل الهجوم على النساء، وأجسادهنّ، وشعاراتهنّ أداة الإقصاء الأساسيَّة التي استخدمتها قوى المجتمع الرجعيَّة والأبوية والتي يشكّل الحراك تهديداً لسلطتها وهيمنتها وقمعها. وسعت هذه القوى من خلال الهجوم إلى نزع الشرعيَّة السياسيَّة عن المطالب والشعارات الأساسيَّة، كما حاولت أيضاً الاختراق من الداخل من خلال وجوه وأجسام نسوية ساهمت بإقصاء النساء ودفعهنّ ضمن سقف نضال أوسلو، وهذا لا يقل خطورة عن الهجوم الأول، حيث كانت هناك محاولات لاستخدام الحراك من أجل جر النساء مرة أخرى لمربع الفاعليَّة المحدَّدة والمنضبطة لمفهوم النضال الاجتماعيّ المجرَّد من بعده السياسيّ المقاوم كفعل وكموقف.

لم تختلف الصورة كثيراً في لبنان، فقد صاحب نزول النساء للميادين احتجاجاً على النخبة السياسيَّة وما أنتجته من خراب وفساد، في محاولة لاستعادة الشارع من جديد كحيز فاعل اجتماعيّ ونضاليّ. وتركَّز الهجوم على الحراك بشكل ممنهج على النساء وأجسادهنّ عبر التعليقات والشتائم التي مست النساء بشك كبير، ونلاحظ أنَّ محاولة انتهاك أجساد النساء الفاعلات في الشارع هو السمة المميّزة لمظاهر الهيمنة الأبويَّة بشقيها الاجتماعي والسياسيّ، حيث تضرب هذه القوى شرعيَّة الوجود عبر انتهاك الجسد، في محاولة لثني النساء عن هذا الحيز وإعادتهنّ إلى البيت ليس فقط لأنَّ مطالباتهنّ تهدّد سلطتهم الأبويَّة والقمعيَّة، بل أيضاً للانقضاض على أي محاولة من الجماهير بشكل عام لرفض أُطُر السلطة القامعة. وليس ببعيد عن ذلك أيضاً تجربة النساء المصريات في ميدان التحرير؛ حيث انتُهك الجسد لقمع الفاعليَّة النضاليَّة. 

بالتأكيد حتى اللحظة لم تنجز النساء في التحركات والفعاليات الأخيرة تراكماً كمياً يُفضي إلى تحولات جديَّة في إعادة شرعنة النضال النسوي الفاعل ببعديه الوطني والاجتماعي، ولكن من المؤكد أنَّها حرَّكت في المياه الراكدة منذ سنوات وأضافت آفاقاً جديدة لفعل نسوي كان مختزل في برامج التمويل وصنع القرار ضمن المؤسسة السياسيَّة القائمة والبعيدة عن الهم الوطني المناهض والمقاوم للاستعمار.

"محكومون بالأمل" كما قالها المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس، نعم محكومون بأمل النضال والتغيير والانتصار الذي هو مصير الشعوب المناضلة نساءً ورجالاً. وحتى تحقيق ذلك، الشارع هو ملك الجماهير المناضلة الفعالة والنساء هنّ جزء مركزي من هذا الشارع.

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك