سياسي انتفاضة لبنان أو اكتشاف الطبقة العاملة لذاتها

انتفاضة لبنان أو اكتشاف الطبقة العاملة لذاتها

-

- Advertisment -

سندخل في الشهر الثاني للانتفاضة، ولم تستطع الطبقة الحاكمة أن توقف ما يجري في لبنان. لا يعني هذا أنَّها لن تستطيع فعل ذلك في المستقبل، لكن صمودنا لكل هذه المدة أمام أحد أقوى أشكال النظام الرأسمالي، يعتبر بحد ذاته إنجازاً في تاريخ المنطقة.

أقول "صمودنا"، فأعني بذلك صمود جماعات لم تكن لتجتمع على قضيَّة واحدة حتى؛ وسط، ويسار، وليبراليين، وقوميين، ومتحزِّبين، وتابعين، وأفراد من جمهور كل أحزاب السلطة، جماعات لم يجمعها حزب واحد أو نقابة أو عدة نقابات حتّى. وأقول "أقوى أشكال النظام الرأسمالي" لأدلّ على الشكل الطائفي الذي قسَّم السكّان في لبنان إلى جماعات طائفيَّة تتمترس كل منها في وجه الأخرى. يقول مهدي عامل إنَّ الطائفة تركيبة سياسيَّة، وإنَّ النظام الرأسمالي يريد أن تظهر وكأنها تركيبة اجتماعيَّة، وهذا ما تكتشفه الأكثريَّة في هذه الانتفاضة.

بين الاستهزاء بها كثورة المترفين الراقصين في الطرقات، والخوف منها كمؤامرة محليَّة- أجنبيَّة على الحركة المقاومة في المنطقة، من الطبيعي أن تتأثّر الانتفاضة في لبنان بهاتين الموجتين، لكن المؤكّد هو أنَّ الغالبيَّة العظمى في هذه الانتفاضة هي من الجوعى والمرضى غير القادرين على دفع كلفة المستشفيات، والعائلات غير القادرة على إيفاء القروض للمصارف، والشابات والشباب غير القادرين على الحصول على عمل، والمنتحرين يوماً بعد يوم.

لنعود إلى البداية؛ ما دفع الناس إلى النزول إلى الشارع هو الفقر بكلّ أشكاله. لا نعرف معدّل البطالة بالتحديد، لكنَّه كان بحدود الـ 27% منذ سنتين، دون تأكيد من الدولة أو نفي، ويقال بأنَّه تخطّى الـ 50% بعد بداية الأزمة. لكن ما أعرفه هو أنَّني ومعظم معارفي دون عمل منذ سنين عدّة، نعتاش من أعمال غير مستقرّة تأتي كل فترة. ويدفع الضغط الاجتماعي في لبنان الناس لإخفاء فقرهم أو أزمتهم الاقتصاديَّة، لأنَّ "الفقر عيب" ولأنَّ التباهي بالمظاهر وبالغنى فضيلة.

تقول الأعراف المجتمعية التي خلقها وثبّتها زعماء الطوائف –أي البرجوازيَّة الحاكمة بعباءة الطائفة- إنَّه من العيب النزول إلى الشارع ووالتظاهر والمطالبة بحقوقك، لكن ليس من العيب أبداً المذلّة أمام باب الزعيم من أجل مكرمة. فالشكل الحالي للدولة في لبنان ينحصر على جباية الضرائب للطبقة الحاكمة وممارسة العنف ضد "المجرمين الصغار"، بينما تتنصَّل من كل واجباتها الأخرى، كي تستطيع أحزاب السلطة الطائفيَّة اليمينيَّة توزيع الخدمات على أتباعها بحسب ولائهم، ناهبة في الوقت عينه حصة الأسد من الثروات.

وما دفع الناس للكلام عن الفقر اليوم هو القهر الذي نتج عن سنين من الصمت. لأنَّ إخفاء الفقر ليس عيباً اجتماعيَّاً فقط، ينتج منه بالطبيعة لوم للفقراء أنفسهم لأنَّهم لا يبحثون عن عمل بشكل جدّي، أو لا يعملون بأكثر من عملين، أو لا يقبلون أعمالاً بظروف مهينة، أو بالأخص لا يزورون الزعيم ويقدّمون الطاعة كي يمنّ عليهم بوظيفة. إخفاء الفقر هو أيضاً جزء من الاحتفاء بالنظام القائم؛ بالرأسماليَّة وسياساتها النيوليبراليَّة التي نجحت رغم كل التحذيرات التي أطلقتها الأحزاب اليساريَّة منذ أوائل التسعينيَّات، وبالتبعيَّة للطائفة والزعيم نظاماً سياسيَّاً اجتماعيَّاً نحتفل به في بلد يريدون لنا أن نظنَّ بأنَّ لا طريقة أخرى لإدارته.

وقد كانت نتيجة كسر الخوف من المواجهة الجسديَّة تارة وتلك الاجتماعيَّة تارة أخرى، وقوف أكثر من مليوني ونصف شخص من القاطناتين في لبنان (من لبنانياتين ولاجئاتين من فلسطين وسوريا وغيرهم) ضد الجوع والفقر وانكفاء الدولة تماماً عن القيام بواجباتها.

وبالتالي، فإنَّ ما جعلنا نسمّي ما يحدث "انتفاضة" وليس "حراكاً أو مظاهرات عاديَّة"، هو أنَّ الناس بدأت تخرج من الحدود التي وضعها لها النظام؛ الحدود التي تقول بحرمة الخروج عن سلطة الطائفة نحو الدولة، أي أنَّها كسرت الخوف الذي كان يربطها من عنقها بزنّار الزعيم ويقول لها بأنَّ الطريق الوحيد للخروج من أزمتها هي بالمشي وراءه. وإن كانت العديداتين من المشاركاتين في المظاهرات يتكلّمن عن الطائفيَّة (وكيف نلومهم وقد وقع في هذا الفخ أساتذة جامعيون، يبدأون حديثهم عن الفقر والوضع الاقتصادي السيء وينهونه بقولهم "لقد لفظ الناس الطائفيَّة" دون أي علاقة سببيَّة واضحة تربط بين الطائفيَّة والفقر، وذلك في تماهٍ تامّ مع الخطاب المهيمن لماهيَّة الأزمة في بنية النظام في لبنان. يعود ذلك لأسباب عديدة، أوّلها بأنَّ مرحلة ما بعد الحرب الأهلية التي سيطرت عليها الحريريَّة قضت على أيّ مساحة للكلام عن المفاهيم الماركسيَّة أو طرح مفهوم الصراع الطبقي بين الناس، بل وتمّ محاربة هذه المفاهيم ومن يحملوها، فغاب هذا الخطاب وتعابيره عن الطروحات والتحليلات اليوميَّة. كما ركّز الخطاب المهيمن على فكرة أنَّ النظام طائفي فثبّت في عقول الناس أنَّ الحل والعقدة هاهنا.

لكن ما أظهرته الانتفاضة اليوم، هو أنَّ تغييب التعابير والنصوص الماركسيَّة لم يستطع تغييب الواقع الطبقي وحقيقة أنَّ الصراع طبقي بامتياز. وفي استخدام المتظاهِرات والمتظاهِرين لتعابير("نحن وهم"، "فقراء وأغنياء"، "سرقة ثروات الشعب"، "نهبونا"، "تأميم المصارف"… إلخ.) تظهر طبقيَّة الثنائيَّة المطروحة، بعكس ما يريد الإعلام إظهاره.

ما يحصل اليوم من جنون كامل لأحزاب السلطة ومحاولاتها المستميتة للسيطرة على الانتفاضة أو القضاء عليها، يُظهر خوفها الحقيقي من انفلات الشارع منها وبالأخص من انسلاخ جماعاتها عنها. وفيما تطالب الانتفاضة بتغيير النظام الاقتصادي- السياسي- الاجتماعي المطروح، ترى هذه الأحزاب أنَّ البديل هذا هو نهاية حتمية لسلطتها. في المقابل، فالأزمة الاقتصاديَّة والانهيار الذي ننتظره، إن كان على مستوى المؤسسات التي أُقفلت والعاملات والموظفات اللواتي فقدن وظائفهنّ، أو على مستوى انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانيَّة، يجعل من إمكانيَّة "طمأنة" الأحزاب هذه لجماعاتها وإعادة شدّ عصب التبعيَّة للزعيم أمراً صعباً. لذا، لجأت أحزاب السلطة، بعد استخدامها للعنف المتمثِّل بالقوى الأمنيَّة الرسميَّة، إلى ثلاثة تكتيكات أدّت إلى ضرب علاقة الانتفاضة بجماعات مختلفة، خاصة بفئات معيَّنة من الطائفة الشيعيَّة أي ما سمّي فصل الطبقة العاملة الشيعيَّة التي كانت من أوائل المنتفضين، أو من المجتمع الداعم لما يسمّى "محور المقاومة" وهي: تهديد أفراد الطائفة والتحريض ضدهم والضغط عليهم اجتماعيَّاً، وتأجيج الطائفيَّة بين المنتفضين وأفراد من الطبقة العاملة الشيعيَّة وإعطاء الضوء الأخضر للشباب المنضوي تحت رايتها للهجوم العنيف على المنتفضين في المناطق الواقعة تحت سيطرة حزب الله وحركة أمل، واستخدام إعلامها الكلاسيكي كما مواقع التواصل الاجتماعي خاصتها والأفراد المؤثّرين في إطارها لتخوين أفراد من الانتفاضة وشيطنتها. وقد استخدم الحزب الاشتراكي هذه التكتيكات أيضاً، لكن نتيجتها كانت أكبر لجهة تفريغ الشارع من الأفراد المنتمين للطائفة الشيعية، بسبب الفارق العددي الكبير بين الطائفتين. 

وقد نجحت هذه الطرق بفصل الطبقة العاملة الشيعيَّة بالذات عن الانتفاضة بشكل ما، بينما فتحت باب النقاش على مصراعيه من داخل الطائفة الشيعيَّة والملتزمينات باتّباع فتاوى حزب الله وخطابه، حول جدوى هذا النظام وعدالته. كما سمح هذا الموقف العدائي للثنائي الشيعي تجاه الانتفاضة بشيطنة كاملة لها من قبل أفراد منضوين تحت رايتهم، بلغت حدّ الجنون أحياناً عبر لوم الانتفاضة للسيول التي أغرقت الشوارع في أوائل كانون الأول، متهمين الانتفاضة بمؤامرة ضدَّ الشعب عبر تخطيط تحركات لسد مجاري المياه وتنفيذها ضمن مخطَّط لتدمير الاقتصاد (المدمَّر).

في أوائل كانون الأول، نعتقد بأنَّ الانتفاضة دخلت اليوم مرحلة جديدة، إذ تطوَّرت بمضامينها وتركيبتها عن اليوم الأول الذي بدأت فيه. وهو أمر طبيعي ومنطقي وصحي، لذا وجب تطوير أدواتها. وللإجابة عن سؤالنا المفضَّل، ما العمل؟، نرى أنَّ النظام قد دمَّر فيما دمَّر النقابات العمّاليَّة، والمجموعات النسويَّة، والأحزاب اليساريَّة، ومنع الحزب الشيوعي لسنوات وبأشكال عديدة من التنظيم في المناطق. ولذلك فالتنظيم هو أداة المرحلة الحاليَّة، بدءاً بحلقات النقاش التي تطلقها المجموعات القانونيَّة، والحزب الشيوعي اللبناني، والمجموعات النسويَّة، والأفراد التقدميّون واليساريون في كل المناطق، حتى تأسيس لجان (نواة ما يمكن أن يصبح كومونات) تنظيميَّة تنسّق بين بعضها البعض وتنظّم في مناطقها، وهكذا يبدأ الشكل التأسيسي للثورة.

اليوم جفّت البقرة الحلوب. داس رجال الأعمال على عنقها لسنين وهم يسحبون منها الحليب حتى آخر قطرة. لم يعد هناك ما يتقاتلون عليه، سوى آمال بالشحذة علينا، كلّ من "محوره".

ما يقوله الشعب اليوم لسلطة تتلعثم كل حين رافضة وجود أزمة تارة، ومحاولة الالتفاف على الانتفاضة تارة، ومخوِّنة إياها تارة أخرى، هو أنَّ وقتها قد انتهى. هي تقول بأنَّ يديها مكبّلتين بنظام كتبت هي نفسها فصوله من الحرف الأول، والشعب يقول إنَّ الأزمة خليقتها وإنَّ الوقت حان ليطرح بديله. والبديل سياسي، اقتصادي، اجتماعي، ديني، ثقافي، فني، بيئي، تربوي، لا ينفكّ يفككّك مفاصل النظام القائم ويرميه بين بحر بيروت وطرابلس والعبدة وصيدا وصور.

ربّما نكون رومنسيات  إذا رأينا أنَّ الشارع اليوم يخلق وعياً لم يرَ جيلنا مثله في لبنان من قبل. وربّما هو ما نعيشه خلال تجربة حقيقيَّة لبناء بديل، ببساطة لأنَّ لا خيار آخر لدينا.

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك