سياسي فلسطين 2020: العنف سبيلنا

فلسطين 2020: العنف سبيلنا

-

- Advertisment -

“يبدو من المستحيل في هذا العصر أن تجد الأمم حظوظها على قارعة الطريق، بل يتعيّن عليها أن تنتزعها من فكّ عالمٍ متأزّم”

-غسان كنفاني، 1959

يشكّل العنف الثابت الأبرز في الحرب الاستعمارية، وإذ يتجلّى بشقّين مترابطين ترابطاً سببيّاً. باعتبار الاستعمار مشروع إلغائي، يظهر عُنف المستعمِر كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية، بالإضافة الى كونه نتيجة للفكر الإلغائي الذي يحمله أي مُستعمِر بهدف تحشيد طاقاته نحو التوسّع والسيطرة. ونتيجةً للعنف الأول، يظهر عُنف المستعمَر كآليّةٍ للدفاع عن النفس وكنتاجٍ طبيعيّ لأسلوب “التواصل” عبر القوّة الذي فرضه المستعمِر في المقام الأول.

من هنا، يتحوّل مفهوم “نبذ العنف” عند أيٍّ من الطرفين الى إعلان غير مباشر عن الاستسلام، وهي المرحلة التي يصل اليها طرفٌ ما بسبب قدرة الطرف الآخر على فرض شروطه الماديّة في المعركة. ولهذا، كان التركيز الأمريكي-الإسرائيلي على انتزاع مفهوم “العنف” من الوعي الفلسطيني، ليس فقط عن طريق تنازل ياسر عرفات عن الكفاح المسلّح، بل أيضاً من خلال عمليّة كيّ الوعي المغلّفة بشرائط “المجتمع الدولي” و”الشرعية الدولية” والعمل المنظّم والدقيق لمنظّمات المجتمع المدني التي توغّلت الى عمق الوعي الفلسطيني، حتى باتت “تُعلّم” اللاجئ الفلسطيني في مخيّمات الشتات كيف “يعبّر عن غضبه بأسلوب حضاري”. أما الهدف من هذا التشويه، فهو وضع الشعب الفلسطيني خارج سياق الغضب الجماعي الذي يتجلّى بالعنف، ليقع في شرك الفردانيّة القاتلة، بحيث تتقلّص “فلسطين” من هدف وجداني وعقيدة مُحرّكة، الى معاناة يوميّة ومحاولات يائسة للخلاص الفردي. وفي خضم ذلك، يستمرّ المشروع الاستعماري في تكريس الوقائع في الجغرافيا والسياسة والاقتصاد..والأهم، في ميادين الوعي المشرّعة.

إنّ إعلان ترامب ل”صفقة القرن” ليس سوى دعوةً لاستسلام الشعب الفلسطيني. ومجرّد بلوغ الولايات المتّحدة و”إسرائيل” لهذه المرحلة هو دليلٌ على تراكم انتصارات الاستعمار في الحرب الوجوديّة ضدّنا. فكيف نرد، نحن الذين خُتِمت الاتفاقيات والصفقات بأحمر دمائنا وأمننا ومستقبلنا؟

في الواقع، لم يملك الشعب الفلسطيني ترف الانتظار، ذلك “الفعل” الذي يقمع الفعل، وهو الذي وصفه غسان كنفاني بأنّه “هروبٌ مهذّبٌ من دخول معركة الحقّ والحقيقة”. لقد آن الآوان، وإن آن متأخرّاً، أن يستعيد الوعي الفلسطيني عنفَه المغيّب والمقموع والمشتّت، وذلك يأتي بالدرجة الأولى من خلال إعادة تعريف العنف بأسلوب علمي.

إنّ العنف الذي نحتاجه اليوم هو عنفٌ مُركّز ومتعدّد الأبعاد. يبدأ من عنف الوعي مروراً بعنف اللفظ وصولاً الى عنف الفعل. يشكّل “عنف الوعي” المرحلة الأصعب في تثبيت الهويّة المناهضة للاستعمار، فهو فعل معاداة المستعمِر شكلاً ومضموناً وفكرةً، بحيث يسلخ المستعمَر عن وعيه كلّ ما يربطه بالمستعمِر، وتتشكّل نواة هدفٍ جماعيٍّ لدى المستعمَرين: القضاء على الاستعمار. إنّ عنف الوعي يجعل من المستعمِر كائناً مكروهاً لا يمكن للعقل أن يتقبّله، مهما تغيّرت أشكاله. يلي ذلك “عنف اللفظ”، وهو انعكاس لعنف الوعي وبُعدُ يبني عليه. وعنف اللفظ هو أداة تحطيم القيود اللفظية التي من خلال تشذيبها للمصطلحات، تمارس تعليباً للوعي الفلسطيني بما يخدم السياق الاستعماري. ومن أبرز الأمثلة على القيود اللفظية “معاداة السامية” و”الشرعية الدولية” والتفريق بين يسار ويمين وغيرها من المفاهيم الساعية لتشويه الوعي الفلسطيني عبر سجن المصطلحات في زنزانة “المقبول” و”المرفوض”. أهميّة عنف اللفظ تكمن في كونه أداة تشكيل الوعي المناهض للاستعمار، ولذلك، لا مفرّ من تحقير المستعمِر وذمّه ووصفه بالصفات التي نرتضيها نحن، مهما كان الثمن. أما البُعد الثالث، فهو عنف الفعل، وذلك سلاحٌ يعرفه الشعب الفلسطيني جيّداً، لكنّه بالتزامن مع عنف الوعي وعنف اللفظ، سيتحوّل الى قوّةٍ لا تُهادن ولا “تنتظر”، بل تفعل وتفعل وتفعل الى أن تنقلب موازين القوى لصالح شعبنا.

لا مفرّ من العنف، سبيلنا الوحيد نحو فلسطين، وطن المستقبل لا الماضي..

“لكي يكون جزاؤنا الوحيد هو أن يغبطنا الجيل القادم، الجيل السعيد الذي سيستمتع بانتصاراتنا، على أنّنا أحرزنا شرف الحياة في عصر الصراع من أجل الحياة..”، ختم غسّان.

Author

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك