ثقافي وهم اليوتوبيا الأوروبية

وهم اليوتوبيا الأوروبية

-

- Advertisment -

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى الدول المستعمِرة. تبدو هذه المرحلة من التطور مثل الوحش الذي خلقه فرانكنشتاين وخرج عن السيطرة، أو الوحش غودزيلا الذي أيقذه من عمق البحر تفاعل نووي فصعد ليدمر العالم. فأصبح كل العالم يتدفّق إلى تلك الدول. لقد حرص الاستعمار على ربط كل اعتمادات البشرية الحديثة في الحياة اليومية على السوق والتمدن، فأصبح عصر الحياة المنزلية (domesticity) المعتدة على الفلاحة والزراعة بعيدًا، في الماضي، إلى حد أنّه في غير المتناول ولا يمكن الارتداد إليه في حال خذلَنا السوق. في ظل هذا تبدو الدول الأوروبية، رغم اختلافها، وما يشابهها أشبه بيوتوبيا لا أمل في غيرها، وفي هذا المقال ألتفت فقط إلى بعض النقاط التي يتم تجاهلها في هذا السياق، دون فرضية أو أطروحة معينة، لمخاطبة سوء نظرتنا المذعنة إلى "العالم الأول".

        يقول المحاضر في علم النفس جوردان بيترسون بأن الإنسان لا سيطرة له على نفسه في حياته اليومية، ففي حال جلس للمذاكرة يبدأ بالتفكير في أي بديل لهذه العملية المملة غير المرغوب بها ويقول لنفسه ربما إنني جائع أو أريد تدخين سيجارة أو تحضير فنجان من القهوة وما إلى ذلك، فلا يمكنه مقاومة غرائزه المترسخة في داخل نفسيته والذي يشاركها مع أغلب الكائنات الحية التي هي "الأنظمة الجسدية التي تستطيع أن تعبث بتفكير المرء على الدوام" مثل الجوع والعدوانية وما إلى ذلك.

يعطي بيترسون مثال للمرء عندما يجد نفسه منجذبًا إلى شخص آخر وحتى إنّ كان لا يريد ذلك فلا يمكنه مقاومة أنّ يستعرض نفسه أمام هذا الشخص أو أنَّ يرسل إليه رسالةً على الهاتف في الليل رغم أنه يعلم أن من الأفضل الذهاب إلى النوم بدلًا من ذلك. إنّ ترجمنا هذه النظرية في سياق مجتمعاتنا، يمكننا القول: إننا نعي وعيًا كاملًا لمّا يجب علينا فعله لتغيير محيطنا لكن دائمًا ما نخرج عن سكة تفكيرنا بسبب عوامل لا تحصى أحضرها إلى واقعنا الاستعمار الحديث وأخرى عملنا نحن على احتضانها وتربيتها بأنفسنا.

              إن كان علينا ذكر مثال على هذه الأخيرة، فأهمها الـ"إذهاب" الثقافي، أي من كلمة مَذهب وهي ترجمة لمصطلح (Indoctrination) بالإنجليزية ومعناه تلقين شخصًا ما ليتّبع نظام تفكير ومعتقدات ما دون نقد ذاتي. بكلمات أبسط، إنّه ما يتعلمه الطفل العربي من عائلته ومن مجتمعه في الشارع رغمًا عنه ليصبح ذلك في النهاية مذهبه ومرجعه عند التعامل مع أيّة قضية فعليًا أو ذهنيًا. غالبًا ما يكون هذا المذهب في أفضل حال يخدم المستعمِر، وفي أسوأ حال لا يوصف.

        ينتج عن هذا "الخروج عن السكة" إلى استسلامنا إلى المحيط وفكرة استحالة تغييره –والمحيط هنا يتحد فيه المجتمع والعدوّ–، فننشغل بأمور ثانوية، حياتية نخاف من فقدانها بعد فقداننا لذاتنا النقية. نفقد الأمل في أيّ طريقة تغيير لهذه الدستوبيا التي نراها، ونتجه، إذا ما استطعنا (عن طريق اللغة أو السفر) إلى العالم الخارجيّ، "المتحضر"، لمخاطبة مشاكلنا العامة والخاصة.

             لمَ لا نتجه إذن لبعضنا في هكذا حال؟

            إلى جانب العوامل الحياتية النابعة من السياسة، أحد أكبر العوامل التي نتجاهلها والتي تمنع ثقافاتنا والفنون الشعبية من مخاطبة الواقع الذي نعيش فيه هو انقسام اللغة العربية إلى اثنتين، وهذا الانقسام نعيره خفة الاعتبار ولا نعيه أصلا في يومنا هذا، وبالتالي انقسام الحياة اليومية كليًا عن المصادر الذي نعتمد عليها لتنمية الوعي مثل المدارس والكتب والأدب، وفي مجال الأدب بالتحديد الذي هو إلى حد ما خارج السيطرة الكاملة للاستعمار الحديث على الرأي الشعبي وصوت الحق، لا يمكننا تخيل رواية تكتب بالعامية لتستطيع لمس واقعنا اليومي ووعينا الحاضر –على الغرار من وعينا الغائب والذي نقرأ من خلاله الأدب، بينما على هذين الوعيين أنّ يكونا واحدًا مثل كل ثقافات العالم؛ فعندما كتب أشهر أدباء الروس دوستويفسكي لم يكتب بلغة لا يستعملها أحد في الحياة اليومية، بل كتب باللغة التي يتكلم بها، وبهذا كانت لديه القدرة على خلق ناس طبيعيين إلى أقصى حد وجعلهم يقومون بغير الطبيعي لتوجيه رسالة معينة للقارئ. لا ينتبه العرب إلى أنهم من الأمم القليلة التي تختلف لغتهم الرسمية عن لغتهم الحياتية، وهذا الاختلاف يقف عقبة أمام الأساليب الحديثة لإرشاد الوعي، ويجعل الفجوة الثقافية بين الطبقات الاجتماعية أكبر من حجمها الكبير أصلًا، وبين المواطن المتعلم وعكسه، فتفشل حتى الأكاديميا أن تحدث أدنى تغييرا في الرأي العام في شتى القضايا التي يتخلف فيها العالم العربي بازدياد. ولا تمارس الأكاديميا أو الأساتذة مهمتها/م رغم أنَّ مهنة التدرس تنتمي إلى مجال التحرر (الانعتاق) إنها تتكون من كشف المعرفة وعرضِها على عقولٍ شابة، ثم دعوتها إلى تفسيرها[1

        للأسباب المذكورة سابقا، يتجه وعينا نحو العالم الخارجي للهروب من الفشل الداخلي. نرى الأدب العالمي -الكلاسيكي منه- أكثر ملامسة للواقع اليومي من المحلي، وكذلك في السينما والمسرح والكوميديا والرأي العام في القضايا المعاصرة وإلخ… وانفتاحنا على العالم من خلال ثورة الأخيرة جعلنا غريبين عن عالمنا الداخلي وتاريخنا السحيق وحتى تاريخنا إلى قبل جيل واثنين، ففقدنا الاهتمام في معرفة ماضينا وورثنا أمثلة مدمرة ولا منطقية فقط.

        في هذا السياق، تولّدت لدينا الثقافة المظهريّة التي تقلّد الغرب بابتذال، وهذا الابتذال مصدره انعدام الصدق بسبب انعدام حرية الرأي والتعبير بسبب العادات والتقاليد والقيَم – أو ما وصفناه سابقا بالمذهب. تجتاح هذه الثقافة التلفاز والراديو ومظاهر الناس من حيث الملبس والكلام، وتتخلل بين علاقاتنا ببعضنا حيث نعرف كلنا ما يفكر به الآخر لكن لا أحد يجرؤ على نطق رأيه الحقيقي في أي قضية – حيث يستطيع أحد يقرأ هذا المقال بتوصيته لأحد آخر في نفس الغرفة ولن يناقشون مع ذلك هذه الإيحائات إلى ما هو "مسموح" قوله أو لا – ليتحول المجتمع بكامله إلى كتلة منافقة.

        ولكن هل هذا العالم الصاخب والمرح والمضيء في الأقاصي الذي نتخيل أنَ تكونه أوروبا فعلا موجود؟

        بالتأكيد، إنّ الحياة اليومية لا تقارن بتلك في البلاد المستعمَرة، أو من الأفضل تسميتها المستعمَرات الحديثة – (ففي نكتة قالها الفيلسوف سلافوي جيجك عن هندي أحمر، يسميه أحد بدافع الاحترام بـ"أمريكي أصلي" عوضا عن "هندي"، فيقول له الهندي لا، فهو يفضل أن يسمى هنديًا لأن هذا دلالة على غباء مستعمره الذي ظن أنه في الهند بينما كان في الجهة الأخرى من العالم. وبينما يطلق علينا العالم إسم "فلسطيني" مثلًا فربما الأفضل لنا أن نبتكر تسمية جديدة تواكب حقيقة من نحن ليكون هذا جزءًا من إقرار الواقع وجزءًا من تغييره نحو أن نكون فعلا فلسطينيين مرة أخرى.) – لكن هذه الدول الكبيرة التي تظهر نفسها كفردوس في قمة الإنسانية هي مبنية تاريخيًا وكليًا في هذا الزمن على عدمية الإنسانية التامة والتجاهل التام لذلك بالتزامن.

تفتخر المدن الغربية بمستوى الحضارة التي وصلت إليه وتتجاهل تاريخ العبودية الذي بنى هذه الحضارة والحاضر الاستعبادي الذي يبقيها قائمة، فيعمل المهاجرون القانونيين منهم وغير القانونيين في الأعمال التي لا يريد أنّ يقوم بها الأوروبيون. تتباهى الحضارة بالتحرر الجنسي ولكن العصابات تدير التجارة البشرية في كل العواصم وتسبي المهاجرات من كل دول العالم الثالث في الدعارة والعروض الإباحية العامة. تتعاون الحكومات أجمعها مع السيطرة الغربية على المستعمَرات في أنحاء العالم. تتباهى بالإنسانية بينما تجهل الشعوب كل شيء عن السياسة وينحصر الوعي في الأكاديميا التي هي فقط إحدى أدوات فرض الوضع الراهن فتتحول إلى أكاديميا سلطوية مُغرقة في دراسة إعادة إنتاج الواقع، وإذا تواجد الوعي السياسي في هذه الدول، باستثناء عددٍ قليلٍ منها، لا نرى منها أية مبادرة للانحدار إلى المعركة الإنسانية القائمة في خارج عالمهم ونرى فقط ادعاءات عامة بالإنسانية –هي الأنظمة ذاتها التي تدعم دولًا أفريقية عدة من أجل منع المهاجرين من وصول شواطئها-. أليست هذه الأنظمة فاسدة مثل أنظمتنا، ومع ذلك ندعوها مُتحضرة عوضًا عن تسميتها الحقيقية وهي "ناهبة" –فعلى سبيل المثال تقاتل فرنسا في ليبيا إلى جانب حفتر ضمن اتفاقٍ لمنع وصول اللاجئين إليها وبحثًا عن امتيازات استخراج النفط الذي تسيطر عليه إيطاليا-؟ وتسقط إحداها مثل اليونان ولا تهتم لها أخرى، وتلتهم الضواحي الخارجة عن المدينة الجريمة والرعب في شوارع كل دولة كبرى. أما الأكاديميا فيهيمن عليها أسلوب الحياة الحديث المكون من الكحول والأضواء الملونة والموسيقى الصاخبة والمخدرات والتفريغ الجنسي في العلاقات الفارغة، ونرى الإلحاد يطغى على هذه المجتمعات باعتباره القناعة السامية والذي هو ردة فعل متعصبة بالاتجاه المعاكس على آلاف السنين من التديّن والجهل، فأصبح يرتبط بحسن الاطلاع والثقافة، وأهم من ذلك، اللاجدوى من كل شيء. ونرى تهليلًا بالطبيعة والروحانية ولكن ابتعادًا تامًا نحو التمدّن والاعتماد على التكنولوجيا، فمن يولد في المدينة الحديثة يولد بشعور مترسخ باللاأهمية وانعدام الهدف، فتصبح الحياة سريعة والموت مجرد آفة جسدية. تتحول أمامنا الأكاديميا التي بدأت من الفلسفة المجردة إلى عنصر أساسي في احتكار الرفاهية، وجوهرها الخوف من فقدان الراحة الشخصية. تتباهى الحضارة في أهم منزلة بالمساواة بين الجنسين، ولكن هذه المساواة نابعة من تقبل الأنثى في هذه المجتمعات للذكورية باعتبارها حرية للرأي، وهذه المساواة مبنية تمامًا على تنازل الأنثى لجسدها، سواء كان هذا ما تريده، ما يسعدها، أم لا، إلى الذكر بين حين وآخر.

        لماذا إذن ما زلنا وما زال العالم بأسره يهتم بالرأي العام العالمي وبالتخصيص الغربي، رغم معرفته التامة بأن هذا الرأي لن يغير شيئا في الواقع؟ هل هي فقط رغبة بالعيش كما نحلم، أم هي رغبة بالرفاهية والراحة؟ أم هي رغبات مكبوتة لجيل تم غسل دماغه بملايين الفيديوهات الإباحية فأصبح يتخيل نمطًا غير موجود في الواقع لممارسة الجنس؛ نمط خيالي يوتوبي لا يمت للواقع بصلة؟ كيف نتجاهل آلاف الأجساد المرماة في شوارع المدن والمشردين الذين ينامون في القطارات ويموتون في الشارع كل يوم أمام حشد يخشى التدخل خوفًا من أن يكون ذلك كمين؟ لماذا نسعى لأن نكون جزءًا من عصابة الأكاديميا المتنكرة بقناع المعرفة ونتجاهل قلة حيلتها بل ودورها النخبوي في الواقع، ونقدّس أفراد العائلة الذين يشاركون في هذا النظام بينما نحتقر العمال؟ ونرى حياة الاحتفالات الفارغة من المعنى والملئى بالاضواء والموسيقى الصاخبة على أنّها المستقبل المقدّس لهذه البشرية التي عانت كثيرًا وآن أوان مكافئة نخبةٍ منها؟ لماذا نتقزز من أنفسنا ونعبد الإنسان الأبيض الذي أصبح المعيار الأساسي للإنسان؟ هل هذه المرحلة كلها مجرد خطوة ضرورية لتقدم البشرية إلى شيء لا نعلم ما هو بعد؟

أم ربما، ببساطة، لا يمكننا مقاومة أنظمتنا الجسدية التي تتحكم بنا رغما عنا.

 


[1 آلان دونو، نظام التفاهة، ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري، (بيروت: دار سؤال للنشر، 2020)، ص 167.

Author

المادة السابقةعن تطبيع السقوط
المقالة القادمةعن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك