ثقافي أزمة اللغات المحليّة

أزمة اللغات المحليّة

-

- Advertisment -

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات محكية “مولَّدة” – creole – مهجّنة بين العربية ولغات مستعمِرة من التركية إلى الإنجليزية والفرنسية، ولغات مستعمَرة من المدن والأراضي الفسيحة التي تم ضمها إلى ملكية العرب لتصبح الآن بعد ألفية ونصف ما يسمى بالوطن العربي. تُعاني هذه البلاد المرهَقة من انفصام في اللغة حيث تختلف اللغة عمليّاً من دولة إلى جارتها، من مدينة إلى أختها ومن قرية إلى مُحاذيتها، ما يجعلها غير صالحة للتواصل عند الأخذ بالاعتبار ضخامة ما هو من المفترض أن يكون وطناً واحد. إلى جانب احتمالية أن يبقى الحال اللغوي كما هو إلى ما لا نهاية، لا يأخذ العرب بعين الاعتبار احتمالين مبدئيين وهما إمّا أن تُمّسخ اللغة العربية الفصحى وتعيش على أطلالها اللهجات المحليّة أو العكس؛ والسؤال هو ماذا يريد متحدثوا هذه اللغة؟

يمكن إيجاد الأخطاء اللغوية البسيطة حتى في قصائد أكبر شعراء العصر الحديث، ناهيك عن إيجادها في الاستعمال اليومي لكل متحدّثي اللغة الذين لم يلقَوا تعليماً قواعدياً إلاّ في مدارس هذه البلاد المُرهِقة التي أولاً، كمدارس لا تصلح إلّا للغربلة الاجتماعية بدلاً من التعليم، وثانيا، لا تستطيع إيجاد أساليب تعليم ترسّخ المعرفة في ذهن الطلاب العرب وإنما تجبرهم على الحفظ المُؤقت والتناسي المزمن. لماذا إذن، حتى في حال كبار الشعراء الحديثين، نجد أخطاءً – مثلا – عند الإلقاء؟ (فعند كتابة القصيدة يستطيع الكاتب الترسّل والتفكّر في الإعراب والنحو) والجواب هو لأن هذه اللغة ببساطة ليست لغته. حتى إن كانت الفصحى هي الحاضرة في يوم عمل كاتب أو محرر في صحيفة على سبيل المثال، فلغته المحكية تطغى على باقي حياته، بالإضافة إلى أنه لا يمارس السابقة مع أشخاص آخرين بل يحاور نفسه كما يفعل كل من يحاول التعبير عن نفسه بشقاءٍ مُريع في هذا الزمن باستخدام هذه اللغة الموضوعة في داخل ڤاترينا ذهبية.

من آثار الانفصام اللغويّ هذا – بين الرسمية والمستعملة – صعوبة تعلّمها من قِبل غير العرب، حيث أنه من السخافة وضع الكمّ المتطلب من الجهد لتعلّم إحدى اللغتين (الفصحى أو إحدى مشتقّاتها المحكية) إن كانت لن تصلح إما للاستعمال الرسمي والأكاديمي المنهجي، أو الاستعمال العمليّ للتواصل، ولا تصلح لكليهما معا. مثلا، إن كانت لدا أحدهم نية لتعلّم العربيّة، فإما أن يتعلّم الفصحى لأنها اللغة الأساسية في الأكاديميا والأدب إلخ… أو أن يتعلّم إحدى النسخ المحليّة للغة، مثل الشاميّة أو الخليجية أو تلك خاصة عرب شمال إفريقيا إلخ… علاوةً على ذلك، إن قرر تعلّم اللغة المحكية للأسباب العمليّة كالتحدث مع العرب، فإنه لن يستطيع إلّا التحدّث مع سكان هذا الإقليم المعين لأن الاختلاف المحليّ للهجات حادّ إلى حد بعيد. من العاقل إذن استنتاج أن هذا الانفصام يحبط الأكاديميين المهتمين بدراسة وصون اللغة العربية. ولتوضيح كمّ الاختلاف، من بين الأمثلة اللانهائية التي يمكن إيرادها، يمكن ترجمة جملة  dejamos tranquilo en una palabra من الإسبانية إلى “باختصار اتركونا بسلام” في الفصحى و”دشّرونا بحالنا عبلاطة” باللهجة المحلية الفلسطينية، وإلى محاذاتها ترجمات متعددة بكل لهجة إقليمية. ومن آثار الانقسام أيضا على العرب أنفسهم، بكل بساطة، عدم إمكانية اللغة المحكية على عبور الحدود، وكما سنذكر لاحقا، عدم إمكانية مستعملوا اللغة على إتقانها.

لا نجد من الأدباء من الطبقات الوسطى والسفلى في المناطق العربية بنفس النسبة التي نراها في دول يستخدم أهلها لغتهم بشكل يومي، فيمكن رؤية الأدب الأمريكي كمثال على هذا، حيث انفصلت اللغة تاريخياً وسجليّاً* عن بريطانيا وأصبح السجلّ المحكيّ في متناول الجميع فظهر نتيجة ذلك أدب يمكنه التعمّق في القضايا المُرادة فكرياً وسجليّاً، أما قُصر الأفق التعبيري عند مقارنته بلغات أخرى يعود على اللغة نفسها وليس على مستخدميها كما العرب. فماذا إذن لو تطابقت اللغتان الرسمية والمحكية في المجتمعات العربية؟

يولّد هذا السؤال إمكانيتين:

الأولى، ظهور اللغة العربية الفصحى في الحياة اليومية بشكل محكيّ، وهو اقتراح تسهل السخرية منه في زمن تطورت فيه اللهجات إلى حد أصبحت فيها لغاتا بذاتها، فيمكن مقارنة حصول كهذا بعودة شيكسبير إلى الحياة في بريطانيا المعاصرة ومحاولته الاستفسار عما يراه – قد يسخر منه البريطانيون كما قد يسخر العرب المعاصرون من أحد شعراء المعلقات لو عاد إلى الحياة في رام الله محاولا إيجاد مقهى زمن. مع أن اقتراح عودة اللغة العتيقة إلى الحياة اليومية يبدو اقتراحا مشينا، إلى أنه عمليّا واجتماعيّا يبدو كالحلّ الأفضل والوحيد (في حال، لا سمح الله، هيمن الفكر التقدّمي على العرب) إن كانت هنالك ستكون في المستقبل أبدا وحدة جغرافية بين تلك البلاد.

الثانية، جَليّا، عكس الأولى، وهي ظهور اللهجات (أو كما يجدر تيمسيتها اللغات) المحكيّة في الأوساط الرسمية من أكاديميا وأدب وأخبار (وهاتان الأخيرتان أصبحتا غير نادرات). من المشوّق التساؤل عما قد يحدث لو وضعت اللغة مرة أخرى في أيدي العمال والعامة وسائر مَن سُلِبَت منهم بفعل تآكل اللغة على مرّ الزمن؛ مَن يمكنه تخيّل في هكذا وقت رواية عربية مكتوبة على يد ابن مخيّم تبدأ بـ”طلع حسن من باب الدار ولقا الجوّ حلو، زم حاله وراح عـ…”

يمكن ذكر مثال على النقطة السابقة، وهو ظهور الفنون الشعبية المحكية، بالتخصيص في إقليم الشام، مثل الزجل والمواويل والعتابا وأغاني الأعراس، على نفس الهيئة التي ظهرت فيها الأشعار على مرّ تاريخ اللغة العربية؛ إن اللغة التي يصدر بها الزجل هي اللغة المحكية لهذا المكان والزمان تماما كما كانت المعلّقات إنتاجا ذي صلة بإطاره، ويتولّد من هذا الانفصام مرة أخرى تهميش أكاديمي للشعر الحديث باللغة المحكية – وهنا لا نلفت إلى الحاجة لتعليم الزجل، مثلا، في المدارس، بل إلى عدم الاعتراف بوجوده كفن شعبي (رغم أنه كثيرا ما يكون موضوعا للدراسة، لكن يتم الخوض فيه كظاهرة اجتماعية بدل لغوية). ومن غير المشترط أن يكون هذا التهميش أكاديميا، فمَن يعتبر الزجل بقيمة الشعر باللغة الفصحى؟ والسؤال هو لماذا يُعطى الشأن الأكبر للشاعر وليس للزجّال، رغم أن كليهما ينتج فنّه بلغته؟ لعل التقدير الذي نشعر به نحو الأشعار العتيقة قد يشعر بنفسه الشعراء القدامى نحو فنوننا المعاصرة.

يبقى السؤال، أو التساؤل، هو ما سيختار العرب فعله، التفريط في إحدى أرقى لغات العالم في سبيل التقدّمية، أم إبادة لهجات المجتمعات المحليّة التي رسّخت نفسها كاللغات الفعليّة والأساسية لها…

أم ببساطة، لا شيء على الإطلاق؟

*register هي مجموعة الكلمات/ اللغة التي يستخدمها الشخص في كل مجال باختلاف الطريقة والموضوع أو الهدف من الحديث.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأحدث

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب "فرسان السينما سيرة وحدة أفلام فلسطين: أول مجموعة سينمائية ترافق...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الواقع اليوميّ تسود على المجتمعات المتكلمة بهذه اللغة العتيقة لغات...

إلى الأحبة: رسالة من الأسر

إلى الأحبّة،   في الكتابة مناجاةٌ ومسامرةٌ لغائب في حضوره كمال هي استحضار البعيدين رغم بُعدهم والوصول إليهم دون عطرهم والاقتراب رغم الاغتراب فكم كُنتم...

عن الهامش بوصفه ساحة للمقاومة

ترجمة نورا حلمي وأحمد مدحت وحسين الحاج. نُشرت الترجمة في موقع كتب مملة.   قبل أربعِ سنواتٍ أشرتُ في مقدمةِ كتابي النظرية...
- Advertisement -

وهم اليوتوبيا الأوروبية

        ليس غريبا في عهد الاستعمار الحديث (neocolonialism) بأن حلم كل شعوب العالم المستعمَر هو الهجرة إلى...

عن تطبيع السقوط

  للغتنا العربية موقفها الصارم والواضح في تعريفها للخيانة؛ فَتعرّف لغةً واصطلاحاً وفق ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر،...

الأكثر قراءة

فرسان السينما الفلسطينية (جزء من كتاب)

نقدم إليكن/ م جزءًا من الفصل الثالث من كتاب...

أزمة اللغات المحليّة

تستكمل اللغة العربية عمرها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي...
- Advertisement -

قد يعجبك أيضاًمرتبط
موصى به لك